تعافي الاقتصاد الألماني مستمر ما لم تفسده السياسة

كاميلا بلادينو
للوهلة الأولى، يبدو أن المستشار الألماني المحاصر بالأزمات، فريدريش ميرتس، يتشارك الكثير من نقاط التشابه مع رئيس الوزراء البريطاني المعزول كير ستارمر.

فقد كان على كليهما التعامل مع اقتصاد متباطئ، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتداعي البنية التحتية، فضلاً عن تراجع شعبيتهما ورصيدهما السياسي بشكل حاد.

غير أن ميرتس، الذي تعهد بمواصلة المواجهة عقب نتائج انتخابية «كارثية» في ولاية مكلنبورغ فوربومرن، يمتلك ميزة كبيرة لم تتوفر قط لستارمر، وهي القدرة المالية على ضخ السيولة لمعالجة المشكلة.

فبينما تظل الميزانية البريطانية مكبلة بمستويات ديون مرتفعة وتكاليف تمويل باهظة، تتمتع ألمانيا، المعروفة بإنفاقها المنضبط، بهامش مالية عامة يتيح لها محاولة الخروج من مأزقها عبر زيادة الإنفاق.

ومن منظور شامل، حقق ميرتس بعض النجاحات على الأقل؛ فمنذ أن خفف قيود «كبح الديون» المفروضة في ألمانيا لصالح الإنفاق الدفاعي وبنود البنية التحتية في عام 2025، عاد الاقتصاد الألماني إلى مسار النمو.

ويرى خبراء الاستراتيجية في «جولدمان ساكس» أنه يتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1% تقريباً هذا العام، على أن يتسارع النمو إلى 1.3% بحلول عام 2028. وشكلت الصادرات نقطة مضيئة بصفة خاصة، حيث ارتفعت بنسبة 2% على أساس ربع سنوي في الربع الثاني من عام 2026.

رغم ذلك، وبالنظر إلى نتائج الانتخابات واستطلاعات الرأي الأخيرة، لا يبدو أن الناخبين راضون بشكل كامل.

ويعود جزء من الاستياء العام إلى أن وتيرة تسريع الإنفاق جاءت أبطأ مما كان مأمولاً، خصوصاً في قطاع البنية التحتية.

ويرى المحللون في مؤسسة «بانمور ليبروم» أنه بنهاية يوليو 2026، كانت الاستثمارات في البضائع والأراضي والمعدات وما شابهها أدنى من مستوياتها في العام السابق.

وذلك لأنه بينما يعد التعاقد على شراء المعدات الدفاعية أمراً بسيطاً نسبياً، فإن تخطيط المشاريع الضخمة واعتمادها وتنفيذها يتسم بالتعقيد، خصوصاً في بلد عانى من نقص الاستثمار في الأشغال المدنية لعقود طويلة.

كما يحتمل بدرجة كبيرة أن الأموال التي خرجت من الخزانة الحكومية لم تصل بعد إلى أيدي الناخبين.

ويرى بنك «يو بي إس»، الذي يتابع مسار التحفيز المالي عبر مؤشرات تشمل الاستطلاعات وانطباعات السوق ودفاتر الطلبيات لدى الشركات، أن هناك دلالات واضحة على زيادة الإنفاق في القطاع الدفاعي، إلى جانب مؤشرات أولية آخذة في الظهور داخل قطاع البنية التحتية.

وبدأ هذا التوجه ينعكس بالفعل في رفع توقعات أرباح الشركات الألمانية؛ إذ يتوقع المحللون نمو ربحية السهم بنسبة 17% في عام 2027، ما يعادل نحو ضعف معدل نمو المؤشر العام لأسواق الأسهم الأوروبية، وفقاً لبيانات «جولدمان ساكس».

وقد استفادت شركات مثل «سيمنس إنرجي» و«ثيسن كروب» من هذه الرياح المواتية في السوق. غير أن ثقة المستهلكين لا تزال ضعيفة.

ولا تسهم الأجواء العامة في تحسين هذا المنظور في ظل الأداء القاسي للقطاعات الصناعية التقليدية التي تشكل قلب ألمانيا الصناعي، وفي مقدمتها شركة «فولكس فاجن» التي خرجت يوم الاثنين من مؤشر «يورو ستوكس 50» إثر هبوط سهمها إلى أدنى مستوياته في 16 عاماً.

لكن النجاح يظل مشروطاً بعدم إرباك التجاذبات السياسية المحتدمة لمسار التعافي في هذه الأثناء.

ويتجسد أحد المخاوف الرئيسية في احتمال إبطاء ميرتس لوتيرة الإصلاحات الهيكلية المخطط لها، بما فيها إصلاح نظام التقاعد، فضلاً عن أن حالة عدم اليقين السائدة قد تسهم في تباطؤ الاستثمارات المؤسسية والشركات.

وبشكل عام، فإن فقدان الزخم في السياسة، كما هو الحال في قيادة الدراجات مثلاً، قد يؤدي إلى الارتباك والانحراف غير المتزن عن المسار.

وقد أدرك ستارمر هذه الحقيقة بالطريقة القاسية، وسيكون تجنب مصير مماثل هو الرهان الأفضل لميرتس.