مالكوم مور، وراي دوغلاس، وسام فليمنج
في الوقت الذي بدا فيه الاقتصاد العالمي وكأنه يتخلص من الحمى التي أصابته بسبب تداعيات أزمة الطاقة هذا العام، عادت الحرارة للارتفاع مجدداً مع زيادة التوقعات الاقتصادية القاتمة.
واشتعلت الاحتجاجات المناهضة لارتفاع أسعار الوقود من سوريا إلى غواتيمالا، بينما اتخذت دول مثل الهند والفلبين تدابير طارئة لترشيد استهلاك الطاقة.
ساد خلال فصل الصيف شعور «زائف» بالأمان؛ ففي يونيو، أعيد فتح مضيق هرمز، الممر البحري الأبرز لشحنات النفط عالمياً، ما سمح لأكثر من 130 ناقلة بالخروج وتسليم شحناتها.
لكن الأوضاع سرعان ما انهارت، وتبددت آمال الحل السريع للصراع، في وقت تواصل فيه الحرب الروسية الأوكرانية ممارسة ضغوط إضافية على أسعار الطاقة.
وحذر العديد من الخبراء من شح خطير في إمدادات النفط والغاز خلال الخريف والشتاء، مع تداعيات جسيمة على التضخم والنمو.
وأكد جو بروسويلاس، كبير الاقتصاديين في مؤسسة «آر إس إم الولايات المتحدة»، أن العالم دخل مرحلة «صدمة النفط 2.0»، مشيراً إلى أن البنوك المركزية ستضطر لكبح جماح الاقتصاد العالمي إذا أرادت إعادة «جني التضخم» إلى القمقم.
غير أن صدمة أسعار الطاقة الحالية تختلف عن التصورات الشائعة، وتربك الأسواق عبر خمسة مسارات رئيسية.
خالفت معدلات النمو العالمي التوقعات الأشد تخوفاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى مرونة تجارة النفط والغاز عقب التوترات في الشرق الأوسط التي بدأت في 28 فبراير.
ورغم تحذيرات فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، في مارس من أن العالم يواجه «أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ»، لم تتجاوز الأسعار أرقامها القياسية المسجلة في السابق، بفضل السحب المنسق لـ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، وتراجع المشتريات الصينية، وقوة شبكة التجارة العالمية.
غير أن الضغوط السعرية بدأت تفرض نفسها.
فقد رفع الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ 2023، ورافقته تحذيرات من البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان الذي رفع الفائدة لأعلى مستوى في 31 عاماً.
وحذر نيل شيرينغ من «كابيتال إيكونوميكس» من أنه إذا استقرت أسعار الخام بين 110 و120 دولاراً خلال الأشهر الستة المقبلة، فقد يهبط النمو العالمي نحو 2 % مقارنة بـ 3.5 % العام الماضي، وهو وضع «سيبدأ في إعطاء انطباع شبيه بالركود».
وخلال الأزمة الشرق أوسطية، شهدت أسواق الوقود المكرر اختناقات أشد قسوة من أسواق الخام، نتيجة نقص طاقات التكرير وارتفاع تكاليف الشحن.
وحذر توم بيكر، رئيس تداول النفط في شركة «فيتول» بالشرق الأوسط، منذ يونيو من آفاق قاتمة للمشتقات المكررة لبقية العام.
وفي روسيا، ثالث أكبر مكرر عالمياً، أدت هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية إلى تقليص الإنتاج بنسبة 30 % ليبلغ أدنى مستوياته منذ عقدين، بعد استهداف 28 من أصل 32 من أكبر مصافيها.
كما انخفضت صادرات الديزل من الشرق الأوسط إلى ربع مستوياتها قبل الحرب.
وتجاوز سعر الديزل في أمريكا وأوروبا 200 دولار للبرميل، متخطياً حاجز 6 دولارات للغالون في الولايات المتحدة للمرة الأولى على الإطلاق.
فلم يسبق للمتوسط القومي للولايات المتحدة ككل أن كسر حاجز 6 دولارات للغالون في أي وقت مضى، علماً أن الديزل وحده يمثل نحو ثلث الطلب العالمي على النفط.
وإذا فرضت الصين حظراً جديداً على تصدير الوقود، فستواجه الأسعار ضغوطاً تصاعدية قاسية.
فقد سجل برنت 147.5 دولاراً في عام 2008، ما يعادل 230 دولاراً بأسعار اليوم مع احتساب التضخم.
وقارب 110 دولارات عامي 2011 و2012، ما يعادل 165 دولاراً حالياً.
كما أن الارتفاع الحالي ليس بحجم صدمة عام 1973 التي تضاعفت فيها الأسعار أربعة أضعاف مع فرض حظر النفط.
والأهم أن كثافة استهلاك النفط انخفضت؛ إذ تراجعت حصته من الطاقة العالمية إلى أقل من 30 % مقارنة بـ 46 % قبل نصف قرن، وانخفضت كمية الطاقة المطلوبة لإنتاج وحدة الناتج المحلي بأكثر من الثلث منذ 1990.
رغم ذلك، ارتفعت أسعار الغاز بنسبة 160 % مع اقتراب فصل الشتاء في القارة الأوروبية دون مخزونات كافية.
وقللت المصانع البتروكيماوية في الصين إنتاجها، وتراجعت شركات الطيران عن الرحلات الهامشية، بينما لجأت دول آسيوية للتحول من الغاز إلى الفحم.
اندلعت الاحتجاجات في سوريا عقب رفع أسعار الوقود بنسب بلغت 40 % للديزل و30 % للبنزين، وواجهت بنغلاديش وباكستان صعوبات جمة في استيراد الغاز، وأغلقت مطاعم في الهند لنفاد غاز الطهي، بينما أعلنت الفلبين حالة الطوارئ وفرضت العمل من المنزل.
ورغم أن 94 دولة خفضت الضرائب أو دعمت الأسعار لحماية المستهلكين، فإن هذه الخطوات تكبد ميزانيات الدول الفقيرة أعباء.
وبناءً عليه، خفض صندوق النقد الدولي توقعات النمو للدول المستوردة للنفط والغاز مثل زامبيا والمغرب ومصر وتونس، ورفعها للدول المصدرة مثل نيجيريا وأنغولا والجزائر.
على النقيض، ظل الغرب بمعزل نسبي؛ فسجلت أوروبا صيفاً قياسياً في عدد رحلات السفر الجوي بمتوسط ناهز 36 ألف رحلة يومياً بحسب «يوروكنترول»، وواصل الأمريكيون القيادة لمسافات أكبر.
غير أن وصول البنزين إلى 5 دولارات للغالون في بعض الولايات الأمريكية يشكل خلفية اقتصادية غير مريحة للرئيس دونالد ترامب قبل انتخابات منتصف الولاية المقررة في 3 نوفمبر.
يتجنب التنفيذيون في قطاع النفط والغاز تقديم توقعات حاسمة، نتيجة غياب البيانات اللحظية الدقيقة بشأن حجم المخزونات والطلب الفعلي.
وتعتمد الأسواق على تتبع الناقلات والأقمار الاصطناعية، خصوصاً مع غياب الإفصاحات الرسمية المنتظمة من الصين، أكبر مستورد للنفط، والتي وصفها تومي إنجلسبي، الشريك في شركة «أوليفار ويمان»، بأنه «الصندوق الأسود الأكبر».
وتقدر وكالة الطاقة الدولية انخفاض المخزونات العالمية «المرئية» بمقدار 507 ملايين برميل منذ بدء التوترات في الشرق الأوسط، بمعدل نحو 3 ملايين برميل يومياً، لكن الكميات المخبأة تحت الأرض تظل غير قابلة للقياس.
وتساءل بنك «إتش إس بي سي» هذا الأسبوع: «إلى أي مدى سنقترب من قاع الخزانات؟ والجواب يكتنفه غموض شديد».
كما اختتم سيث كاربنتر، كبير الاقتصاديين في «مورغان ستانلي»، بالتأكيد على أن هذا الضغط الاقتصادي الممتد «سيبدأ في التأثير حتماً».

