كاتي مارتن
أجد نفسي هذه الأيام أخوض أحاديث غريبة مع مديري صناديق الاستثمار.
ويبدو هذا السيناريو سيئاً للغاية؛ فهو يعكس خللاً عميقاً في حوكمة الشركات والممارسات الإدارية الأساسية داخل شركات التكنولوجيا الكبرى غير المدرجة، ناهيك عن خطورته المباشرة على البشر.
ورغم أنني لم أولِ هذا الأمر هذا القدر من التفكير من قبل، فمن المنطقي الافتراض، بما أن استمرار الوجود البشري يمثل الركيزة الأساسية للإنفاق الاستهلاكي واستغلال الموارد، أن هذا التهديد يمثل أمراً سيئاً للأسواق المالية أيضاً.
يبدو هذا بمثابة لحظة اختبار حاسمة لأسواق الأسهم التي تتمركز بكثافة في قطاع التكنولوجيا عموماً والذكاء الاصطناعي بوجه خاص.
صحيح أن الأسهم استهلت تعاملات الأسبوع بتذبذب عقب تحذيرات العطلة الأسبوعية، خاصة في القطاع التكنولوجي؛ حيث خسرت البورصة الكورية، المعروفة بارتباطها الوثيق بتقنيات الذكاء الاصطناعي، أكثر من 3 %، إلا أنه بالنظر إلى الرسم البياني لمؤشر «إس أند بي 500» الأمريكي الأبرز أو حتى مؤشر «ناسداك» المكتظ بشركات التقنية، أتحداك أن تحدد النقطة التي كشف فيها بعض أثرى وأقوى رجال العالم أنهم ربما أوجدوا، عن غير قصد، أسلحة تدمير شامل واعية!
ففي المعتاد، تتفاعل السندات الحكومية الأمريكية والدولار إيجابياً عند ورود الأنباء السيئة، وهو نمط لا يزال قائماً إلى حد كبير رغم المحاولات الحثيثة من الإدارة الأمريكية لتقويض مكانتها كأصول احتياطية.
غير أن السندات ظلت هذه المرة عند أضعف مستوياتها منذ عقود، مما يشي بأن المستثمرين يخشون عجز الميزانيات أكثر من خشيتهم «الروبوتات الشيطانية».
وحتى الذهب ظل مستقراً، دون أي أثر لموجات تحوط مدفوعة بالخوف.
فشركات التكنولوجيا الكبرى المزودة للبنية التحتية للحوسبة السحابية، التي تسابق الزمن لبناء قدرات الذكاء الاصطناعي، تتجه إلى أسواق السندات لاقتراض المليارات التي تحتاجها.
ولا تقع هذه الخطوة تحت وطأة التعثر المالي، بل إن إبطاء وتيرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لتصبح أكثر عقلانية قد يكون مفيداً للأسواق في واقع الأمر.
وبدلاً من ذلك، ينظر مديرو الأموال إلى هذه التصريحات باعتبارها نمطاً غريباً من التسويق، حيث تتنافس شركتا «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» لإثبات أن نماذجهما هي الأكثر خطورة وتطوراً، أو مجرد عذر ملتو لكسب الوقت واكتشاف سبل تحويل هذه النماذج إلى محركات ربح.
وكلا الاحتمالين لا يعكس صورة إيجابية عن قطاع الاستثمار، الأمر الذي سيمنح هاتين الشركتين تقييمات خيالية عند طرحهما المرتقب في البورصة.
رغم اعتراف قياداتهما بالعجز عن السيطرة على تكنولوجياتهما.
ويبقى السبب الأخير لرصانة الأسواق أن هذه التحذيرات ربما تعكس خطراً حقيقياً بالفعل، لكنه خطر يستحيل التحوط منه مالياً.
إذ لن تحتفظ أي أصول آمنة بقيمتها إذا أُبيد جميعنا بواسطة أدوات ذكاء اصطناعي خبيثة ومطورة ذاتياً بشكل متكرر، فضلاً عن أننا لن نكون في وضع يسمح لنا بمراجعة محافظ التقاعد وحساباتنا الاستثمارية في تلك اللحظة على أي حال.
فقد تجاهلت أسواق الأسهم طيفاً واسعاً من الصدمات والارتدادات منذ الجائحة، بدءاً من تفكك التحالفات الجيوسياسية، ومروراً بحربين تشملان دولاً رئيسية منتجة للطاقة، وصولاً إلى أزمة البنوك الإقليمية الأمريكية.
ويقف خلف كل ذلك افتراض جوهري مفاده أنه إذا تراجعت قيم الأصول الخطرة لأي سبب كان، فإن البنوك المركزية والحكومات ستسارع إلى الإنقاذ، كما اعتادت على ذلك منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
قد يبدو هذا الطرح مفرطاً في العدمية ومسبباً للانزعاج، لكنه منطقي في بيئة السوق الحالية؛ إذ لا يوجد مدير صندوق يرغب في التخلي عن الأسهم خوفاً من «كارثة الروبوتات» التي قد لا تعدو كونها شطحة من مخيلة مهندسي الذكاء الاصطناعي، ليجد نفسه مكبلاً بسندات تلتهمها الاختلالات المالية والعجز الحكومي الحقيقي الملموس.
وطالما أن معزوفة الذكاء الاصطناعي لا تزال تعزف، فما عليك إلا أن تواصل الرقص.

