كيف ينبغي للمستثمرين التحوط لمواجهة «كارثة الروبوتات»؟

كاتي مارتن
أجد نفسي هذه الأيام أخوض أحاديث غريبة مع مديري صناديق الاستثمار.

فبعد سنوات من سؤالهم عن مسائل تقليدية مثل فروق أسعار الفائدة وتوزيع الأصول على السيولة النقدية، أصبحت الأسئلة التي تطفو على السطح تشمل: «ما الذي يقصده دونالد ترامب عندما يهدد بشن عمل عسكري في سوق السندات؟» و«كم من الوقت قد يستغرقه إيلون ماسك قبل تأسيس مستعمرة قابلة للحياة على كوكب المريخ؟».

وهكذا، بدا الأمر وكأنه وضع طبيعي جديد هذا الأسبوع عندما تمحور السؤال الافتتاحي في الكثير من النقاشات حول: «كيف توزع أصول محفظتك الاستثمارية لمواجهة كارثة الروبوتات؟».

إنه سؤال يبدو طريفاً ومجافياً للواقع للوهلة الأولى، لكنه يحمل قدراً كبيراً من الجدية؛ بالنظر إلى التحذيرات التي بدت مخلصة والأشبه بالاعترافات الصريحة من عمالقة التكنولوجيا خلال الأسبوع الماضي، ومفادها أن أدوات الذكاء الاصطناعي التي ابتكروها وجنت لهم ثروات طائلة قد تسعى قريباً لتجاوز عمليات اختراق المواقع الإلكترونية بشكل شبه مستقل، لتبدأ في القضاء على البشر على نطاق واسع.

ويبدو هذا السيناريو سيئاً للغاية؛ فهو يعكس خللاً عميقاً في حوكمة الشركات والممارسات الإدارية الأساسية داخل شركات التكنولوجيا الكبرى غير المدرجة، ناهيك عن خطورته المباشرة على البشر.

ورغم أنني لم أولِ هذا الأمر هذا القدر من التفكير من قبل، فمن المنطقي الافتراض، بما أن استمرار الوجود البشري يمثل الركيزة الأساسية للإنفاق الاستهلاكي واستغلال الموارد، أن هذا التهديد يمثل أمراً سيئاً للأسواق المالية أيضاً.

يبدو هذا بمثابة لحظة اختبار حاسمة لأسواق الأسهم التي تتمركز بكثافة في قطاع التكنولوجيا عموماً والذكاء الاصطناعي بوجه خاص.

لكن المثير للدهشة هو أن رد فعل الأسواق تجاه كل هذه التحذيرات لم يتجاوز مجرد «هزة كتف» خفيفة.

صحيح أن الأسهم استهلت تعاملات الأسبوع بتذبذب عقب تحذيرات العطلة الأسبوعية، خاصة في القطاع التكنولوجي؛ حيث خسرت البورصة الكورية، المعروفة بارتباطها الوثيق بتقنيات الذكاء الاصطناعي، أكثر من 3 %، إلا أنه بالنظر إلى الرسم البياني لمؤشر «إس أند بي 500» الأمريكي الأبرز أو حتى مؤشر «ناسداك» المكتظ بشركات التقنية، أتحداك أن تحدد النقطة التي كشف فيها بعض أثرى وأقوى رجال العالم أنهم ربما أوجدوا، عن غير قصد، أسلحة تدمير شامل واعية!

ولا يمثل صمود الأسهم سوى نصف المشهد فقط؛ فعلى جانب الملاذات الآمنة في السوق، مثل السندات الحكومية، يصعب أيضاً العثور على أي ندوب.

ففي المعتاد، تتفاعل السندات الحكومية الأمريكية والدولار إيجابياً عند ورود الأنباء السيئة، وهو نمط لا يزال قائماً إلى حد كبير رغم المحاولات الحثيثة من الإدارة الأمريكية لتقويض مكانتها كأصول احتياطية.

غير أن السندات ظلت هذه المرة عند أضعف مستوياتها منذ عقود، مما يشي بأن المستثمرين يخشون عجز الميزانيات أكثر من خشيتهم «الروبوتات الشيطانية».

وحتى الذهب ظل مستقراً، دون أي أثر لموجات تحوط مدفوعة بالخوف.

وفي بعض الأحيان، تخبرنا غياب ردود الفعل عن طبيعة نظام السوق بوضوح لا يقل عن ردود الفعل الصريحة ذاتها. فما الذي يحدث إذن؟

يكمن السبب الأول المحتمل لهذه اللامبالاة في أن هذه التحذيرات قد تصب، بمنطق ملتوٍ، في مصلحة أسهم المنظومة البيئية للذكاء الاصطناعي، وليس العكس.

فشركات التكنولوجيا الكبرى المزودة للبنية التحتية للحوسبة السحابية، التي تسابق الزمن لبناء قدرات الذكاء الاصطناعي، تتجه إلى أسواق السندات لاقتراض المليارات التي تحتاجها.

ولا تقع هذه الخطوة تحت وطأة التعثر المالي، بل إن إبطاء وتيرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لتصبح أكثر عقلانية قد يكون مفيداً للأسواق في واقع الأمر.

كما أشار لي أحد المستثمرين، بشبه مزاح، إلى إمكانية نشوء قطاع جديد يسعى لحمايتنا من وكلاء الذكاء الاصطناعي التدميريين، يفتح الباب أمام فرصة استثمارية جديدة تنتظر من يستغلها.

أما التفسير الآخر، فيتمثل في أن المستثمرين ببساطة لا يصدقون قادة مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة.

وبدلاً من ذلك، ينظر مديرو الأموال إلى هذه التصريحات باعتبارها نمطاً غريباً من التسويق، حيث تتنافس شركتا «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» لإثبات أن نماذجهما هي الأكثر خطورة وتطوراً، أو مجرد عذر ملتو لكسب الوقت واكتشاف سبل تحويل هذه النماذج إلى محركات ربح.

وكلا الاحتمالين لا يعكس صورة إيجابية عن قطاع الاستثمار، الأمر الذي سيمنح هاتين الشركتين تقييمات خيالية عند طرحهما المرتقب في البورصة.

رغم اعتراف قياداتهما بالعجز عن السيطرة على تكنولوجياتهما.

ويبقى السبب الأخير لرصانة الأسواق أن هذه التحذيرات ربما تعكس خطراً حقيقياً بالفعل، لكنه خطر يستحيل التحوط منه مالياً.

إذ لن تحتفظ أي أصول آمنة بقيمتها إذا أُبيد جميعنا بواسطة أدوات ذكاء اصطناعي خبيثة ومطورة ذاتياً بشكل متكرر، فضلاً عن أننا لن نكون في وضع يسمح لنا بمراجعة محافظ التقاعد وحساباتنا الاستثمارية في تلك اللحظة على أي حال.

وعليه، تظل النتيجة هي مواصلة السير في الممر المعتاد.

فقد تجاهلت أسواق الأسهم طيفاً واسعاً من الصدمات والارتدادات منذ الجائحة، بدءاً من تفكك التحالفات الجيوسياسية، ومروراً بحربين تشملان دولاً رئيسية منتجة للطاقة، وصولاً إلى أزمة البنوك الإقليمية الأمريكية.

ويقف خلف كل ذلك افتراض جوهري مفاده أنه إذا تراجعت قيم الأصول الخطرة لأي سبب كان، فإن البنوك المركزية والحكومات ستسارع إلى الإنقاذ، كما اعتادت على ذلك منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.

قد يبدو هذا الطرح مفرطاً في العدمية ومسبباً للانزعاج، لكنه منطقي في بيئة السوق الحالية؛ إذ لا يوجد مدير صندوق يرغب في التخلي عن الأسهم خوفاً من «كارثة الروبوتات» التي قد لا تعدو كونها شطحة من مخيلة مهندسي الذكاء الاصطناعي، ليجد نفسه مكبلاً بسندات تلتهمها الاختلالات المالية والعجز الحكومي الحقيقي الملموس.

وطالما أن معزوفة الذكاء الاصطناعي لا تزال تعزف، فما عليك إلا أن تواصل الرقص.