مخاطر توغل الائتمان الخاص في سوق معاشات التقاعد الأمريكية

تشاك راغوناثان- المؤسس والمدير الإداري لشركة «أجام كابيتال مانيجمنت»

شهدت الحصة السوقية لقطاع عقود المعاشات التقاعدية في الولايات المتحدة تحولاً حاداً خلال العقد الماضي، مدفوعة بتغيرات هيكلية كبرى.

وأصبحت مجموعة من مديري الأصول، الذين أسسوا شركات تأمين خاصة بهم أو استحوذوا على شركات قائمة لضمها إلى محفظة خدماتهم المالية، اليوم هي الجهات الأكثر نمواً في إصدار هذه العقود. إلا أن تسارع وتيرة هذا الاستحواذ ينبغي أن يثير قلق كل من يحمل وثيقة من هذه الوثائق.

وأظهرت ورقة بحثية أصدرها بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو عام 2025 قفزة لافتة في هذا القطاع. إذ ارتفعت الحصة السوقية لشركات التأمين المملوكة لرأس المال الخاص من عقود المعاشات المباعة في أمريكا من 8.5 إلى 18 % بين عامي 2017 و2024. ويرجع نحو 61 % من هذا التوسع إلى استثمارات الائتمان الخاص.

في المقابل، تفتقر شركات التأمين التقليدية تاريخياً إلى وجود «ذراع استثمارية داخلية» توفر لها هذه المنتجات مباشرة، ما يضعف قدرتها على منافسة الشركات المملوكة لرأس المال الخاص.

والجديد في هذا التوغل للائتمان الخاص يتضح أيضاً في وجهات رؤوس الأموال؛ إذ يذهب جانب كبير منها لدعم الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مثل مراكز البيانات والشرائح الإلكترونية.

وقد تم جزء من هذه الاستثمارات، كما سلط بنك التسويات الدولية الضوء عليه أخيراً، عبر عمليات اقتراض خارج الميزانية العمومية أجرتها شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة، ما يمثل مخاطر غير معروفة الأبعاد على شركات التأمين وصناديق الائتمان الخاص على حد سواء.

إلا أن قلقي الأكبر هنا، ولنكن صريحين لا يتعلق بجودة الاكتتاب وتقييم المخاطر لهذه الأصول بقدر ما يتعلق بالتوقيت الزمني. فالالتزام بدفع المستحقات التقاعدية هو تعهد طويل الأجل بطبيعته، ويستلزم بالتأكيد حيطة وحذراً في وضع خطط هذه الالتزامات الممتدة، لكن الأهم هو ضرورة سدادها في نهاية المطاف.

ولا بد أن يتم هذا السداد بنقد سائل متوفر فور استحقاقه، لا على أمل أن ترتفع قيمة الأصل أو تتوفر السيولة في تاريخ لاحق. وللعلم، فإن صلب عمل شركتي يتركز على تقييم مثل هذه الالتزامات، كما أنني عملت سابقاً في شركة «أبولو» بين عامي 2008 و2014.

وتكمن المخاطرة الحقيقية في ألا يكون العائد الناجم عن الأصول طويلة الأجل المطروحة في السوق حالياً كافياً لخدمة أعباء الديون المطلوبة لدعم التعهدات التقاعدية في العقود المقبلة.

وهناك افتراض آخر شائع في قطاع عقود المعاشات، مفاده أن الأصول غير السائلة تتوازن تلقائياً مع الالتزامات طويلة الأجل غير السائلة تجاه حملة الوثائق، ما يحيد مخاطر أسعار الفائدة بمرور الوقت. وكنت أؤيد هذا الطرح سابقاً، لكنني لم أعد كذلك.

والسبب الأساسي في تغيير رأيي يكمن في أن سلوك حملة الوثائق ليس ثابتاً. ومع تصاعد شعبية العقود المرتبطة بالمؤشرات السوقية، أصبحت معدلات تخلي الأفراد عن عقودهم أو تركها تلغى تتسم بتقلب شديد.

ويمكن لهذه المعدلات التحرك بصورة حادة وغير منتظمة، حيث تبرز «موجات الإلغاء الصادمة» عادة عقب انتهاء الفترات التي تفرض فيها رسوم على الاسترداد المبكر.

وإذا تتالت حالات الاسترداد المبكر لهذه العقود بنسب كبيرة ضمن محفظة شركة تأمين تعتمد على أصول غير سائلة وصعبة التسعير، فقد يدفعها ذلك إلى عمليات بيع اضطراري لتلك الأصول.

وأخيراً، بدأت مجموعة من أكبر الجهات المصدرة لعقود المعاشات في نشر تقييمات دورية متكررة لصافي قيمة أصول صناديقها الخاصة. ورغم أن هذه الخطوة إيجابية وطال انتظارها، فإن الإفصاح عن قيم مشتقة من النماذج الحسابية لا يرقى إلى مستوى اكتشاف الأسعار الفعلي في السوق، إذ تظل رؤية مدير الصندوق للقيم منطبعة ومجسدة في الأرقام المعلنة.

والمخاطر المرتبطة بالحضور المتزايد لرأس المال الخاص في قطاع التأمين معروفة لدى الجهات التنظيمية منذ سنوات. وتعكف الجمعية الوطنية لمفوضي التأمين في الولايات المتحدة منذ عام 2022 على رصد مخاطر رئيسية تشمل مستويات الإفصاح والشفافية، والمعاملات بين الأطراف التابعة والذاتية الصلة، وآليات مكافآت الإدارة.

وفي السياق ذاته، بدأت وزارة الخزانة الأمريكية اجتماعات مع منظمي التأمين في الولايات لبحث كيفية إعادة هيكلة وإدارة الائتمان الخاص في القطاع، البالغ قيمته نحو تريليون دولار، بأسلوب يحمي حملة الوثائق من التعرض لمخاطر خسارة مفرطة.

لا يهدف أي مما تقدم إلى إثارة الهلع، ولا ينطوي على اتهام لهذه المنصات بممارسة اكتتاب غير حذر. بل إن مخاوفي تتركز في زاوية أضيق بكثير، لكنها في اعتقادي أكثر أهمية وخطورة؛ ألا وهي أن الاستثمارات الخاصة غير السائلة لمديري الأصول قد تحولت بهدوء إلى الميزة التنافسية الحاسمة في قطاع التمويل التقاعدي.

إن الغرض الأساسي للتأمين على الحياة هو ضمان الوفاء بالتعهدات طويلة الأجل عند استحقاقها، وكل ما عدا ذلك، بما فيه العوائد المحققة، يأتي في المرتبة الثانية.

من ثم، فإن مسألة السيولة الجوهرية يجب أن تشغل بال السلطات التنظيمية، وأعضاء مجالس إدارات الشركات، وحملة الوثائق على حد سواء.

فالأجدر معالجة هذه المخاطر الآن، قبل أن يواجه القطاع موجة استردادات مباغتة تجبر الشركات على بيع أصول غير سائلة في أسواق ضعيفة ومضطربة.