لماذا يرتفع سهم «أبل» في عصر الذكاء الاصطناعي؟

روبرت آرمسترونج
سيكلفك هاتف «آيفون» الجديد ذو الشاشة القابلة للطي 1999 دولاراً للطراز الأساسي، وهو مستوى تسعير جديد يدخل بالشركة إلى مسار لم تطأه هواتفها من قبل، إلا أن سهم «أبل» يبدو أكثر غلاء، إذ يتم تداوله عند 36 ضعفاً للأرباح المتوقعة للسنوات المقبلة، وهو مضاعف تقييم لم تشهده الشركة منذ البدايات الأولى لإطلاق هاتف «آيفون»، عندما كانت تنمو بسرعة فائقة.

وخلال هذا الصيف حققت «أبل» علاوة تقييم ملموسة ومستمرة، تفوقت بها على نظرائها من العمالقة، «مايكروسوفت» بمضاعف 25، و«ألفابت» 26، و«أمازون» 27، و«إنفيذيا» 18، و«ميتا» 21، ومن بين «السبعة الكبار»، لا يتفوق على «أبل» في نسبة السعر إلى الأرباح سوى شركة «تيسلا».

ولم تقترب «أبل» من صدارة جدول التقييمات، ولو لبرهة، قبل أواخر العام الماضي، فعلى مدار سنوات طويلة ظل مضاعف تقييمها مكبوتاً بفعل المخاوف من أن هيمنتها على سوق الهواتف الذكية قد تكون عابرة، كما حدث سابقاً مع «نوكيا» و«بلاكبيري».

يضاف إلى ذلك أن معدل نموها كان بطيئاً بمقاييس شركات التكنولوجيا الكبرى، ولا تزال هذه النقطة الأخيرة قائمة حتى اليوم، إذ تتوقع الأسواق أن تنمو أرباح «أبل» في خانة الآحاد خلال السنوات القليلة المقبلة، وهو أبطأ من منافساتها الكبريات.

كما تواجه الشركة تحديات جديدة، أبرزها تضخم تكاليف المدخلات وتباطؤ النمو في قطاع الخدمات. رغم ذلك يواصل تقييمها التحليق بعيداً عن الجميع، فما السبب؟

إن تفسير تقلبات أسواق الأسهم أقرب إلى الفن منه إلى العلم، لكن هناك تفسير قائم على تحليل منطقي.

ينعكس تقييم «أبل» في رغبة المستثمرين في حيازة أسهم تكنولوجية لا تشكل مراهنات تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

وقال ديفيد فوجت، المحلل لدى بنك «يو بي إس»: «تميل أبل إلى اتخاذ مسار معاكس للدورة الاقتصادية من منظور الشهية للمخاطرة»، فقبل عام أو عامين عندما كان الحماس للذكاء الاصطناعي في ذروته لم تكن هناك أي علاوة تقييم تذكر لشركة «أبل».

وأضاف فوجت: «الذي تغير هو التقييم القائل إن ضخ مليارات الدولارات في النفقات الرأسمالية لدعم مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي قد لا يكون الاستثمار الأمثل»، وهكذا تقف «أبل» بوضوح خارج حلبة الصراع المالي المحموم حول الذكاء الاصطناعي.

وحتى قبل الموجة الأخيرة من القلق بشأن المخاطر الوجودية الناجمة عن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة وذاتية التطوي، كانت الأسواق تبعث بإشارات تعبر عن عدم ارتياحها لصفقات الذكاء الاصطناعي عبر منح «أبل» هذه العلاوة السعرية، كما أن اعتراف الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي باحتمالية فقدان السيطرة على تقنياتهم، في الوقت الذي يستعدون فيه للإدراج العام، لن يبعث الطمأنينة في نفوس أحد، إلا أن علاوة «أبل» تنطوي على ما هو أبعد من مجرد غياب مخاطر الذكاء الاصطناعي في سوق متخمة بهذه المخاطر؛ إذ تبيع «أبل» «الثقة» في عالم يفتقر إليها بشكل متزايد.

وتشكل الخصوصية حجر الزاوية في العرض التسويقي لشركة «أبل»، فلم يكن الرئيس التنفيذي السابق، تيم كوك، يظهر في أي عرض تفاعلي تقريباً دون التأكيد بشدة على تعهد «أبل» بالحفاظ على سلامة بيانات العملاء، حتى من «أبل» نفسها. وسار الرئيس التنفيذي الجديد، جون تيرنوس، على النهج نفسه في بداية حفل إطلاق الهاتف الجديد، فنظام «أبل إنتليجنس»، وهو أداة الذكاء الاصطناعي التي تدمجها الشركة في أجهزتها، يعمل محلياً على الجهاز كلما أمكن ذلك.

ويعتمد على «سحابة خاصة» مشفرة عندما تتطلب العملية قوة معالجة حاسوبية أكبر. وعلى النقيض من ذلك ترى الشركات الأخرى البيانات مجرد مادة يجب جمعها.

وقد نجح هذا الطرح التسويقي بنجاح باهر في ترسيخ ولاء عملاء «أبل»، إذ نادراً ما يتحول مستخدمو «آيفون» إلى علامات تجارية أخرى. وتعد هذه الثقة تحديداً هي العنصر الغائب لدى شركات الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي، والتي ستحتاج إلى إرسائها إذا ما أرادت الارتقاء إلى مستوى التوقعات المذهلة لشارع «وول ستريت».

تبنى الثقة على المسؤولية والمحاسبة، إلا أن شركات الذكاء الاصطناعي، بدءاً من عمالقة السحابة الاستثنائيين مثل «جوجل»، وصولاً إلى مطوري النماذج مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، لم تكن قادرة ولا راغبة في إخضاع نفسها للمحاسبة، وفي عصر الإنترنت قطعت «أبل» وعداً مفاده: «بياناتكم ستكون في أمان»، بينما لا تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي حتى التعهد بأن منتجاتها لن تخرج عن السيطرة، وتسبب الضرر.

وبدلاً من ذلك صبت هذه الشركات تركيزها على ما ينبغي للآخرين، سواء الصناعة ككل، أو المراقبين المستقلين، أو الحكومات، القيام به، والرسالة التي وجهها داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، ودعا فيها إلى «توقف مؤقت» للصناعة، يفضل قراءتها كونها استراتيجية لتوزيع المسؤولية وإلقائها على المجتمع، بدلاً من أن تتحمل شركته سلامة المنتجات.

وحتى يبدأ هو وشركته في تقديم التزامات صارمة، على غرار ما فعلته «أبل» مع الخصوصية، ستظل الثقة غاية بعيدة المنال، إلا أن هذا لا يعني أن علاوة تقييم «أبل» أصبحت محصنة تماماً في عصر الذكاء الاصطناعي، فالشركة ترغب في أن تكون أجهزتها البيئة الأفضل لاستضافة خدمات الذكاء الاصطناعي.

ولتحقيق ذلك دون إنفاق مئات المليارات على بنيتها التحتية الخاصة ستعتمد نماذجها التأسيسية على البنية التحتية لشركة «جوجل»، ويبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كان هذا التعاون، وما يرافقه من فقدان للسيطرة الكاملة، يمكن أن يقدم تجربة مستخدم ممتازة مع الوفاء في الوقت نفسه بالوعد المتعلق بالخصوصية.

كثيراً ما توصف «أبل» بأنها «حديقة مسورة»، تراعى فيها تجربة المستخدم بعناية فائقة، لكن الذكاء الاصطناعي بطبعه يكره الأسوار، وبناء عليه، وفي الوقت الذي يجب فيه على شركات الذكاء الاصطناعي الاقتداء بنموذج «أبل» في بناء الثقة سيتعين على نموذج «أبل» نفسه أن يتغير أيضاً.