إجبار إمبراطورية «تاتا» على طرح أسهمها في البورصة

كريسنان كوشيك، وكريس كي، وميكل ستوت
أجبر البنك المركزي الهندي أكبر تكتل تجاري في البلاد على خوض طرح عام أولي بقيمة تقدر بنحو 120 مليار دولار رغماً عن إرادته، ما يفتح الباب أمام المنافسين والمستحوذين المتربصين للوصول إلى بعض أكثر الشركات قيمة وأشدها خصوصية في الهند.

وكان بنك الاحتياطي الهندي رفض في عطلة نهاية الأسبوع طلباً قدمته مجموعة «تاتا»، التي تتنوع أعمالها بين برمجيات الحاسوب وصناعة سيارات «رينج روفر»، للاستثناء من القواعد التي تلزمها بطرح شركتها القابضة للاكتتاب العام.

وقد يقدر طرح شركة «تاتا صنز» القابضة بقيمة تتجاوز 120 مليار دولار وفقاً لتقديرات المحللين، ما يجعله أكبر طرح عام أولي في تاريخ الهند، ومن شأن هذه الخطوة أن تحدث تحولاً جذرياً في هيكل الملكية والحوكمة لدى البيت التجاري المرموق في مومباي، والذي ظلت ملكيته مغلقة ومحصورة في دائرة ضيقة لأكثر من قرن من الزمان، إلا أن هذا القرار يمثل ضربة موجعة لنويل تاتا، رئيس الصناديق الخيرية، التي تسيطر على المجموعة وسليل العائلة المؤسسة، والذي قاوم فكرة الطرح العام الأولي بشدة.

وقال نيرماليا كومار، الأستاذ الزائر في كلية الهند للأعمال والتنفيذي السابق في مجموعة «تاتا»: «إن بنك الاحتياطي الهندي لم يكن ليتخذ قراراً بهذا الحجم دون الحصول على ضوء أخضر غير رسمي وضمني من الحكومة»، وهو رأي عبر عنه سراً مسؤولون تنفيذيون كبار آخرون على دراية بأروقة المجموعة.

وجادل نويل بأن الإدراج في البورصة سيقوض تماماً قدرة «تاتا صنز» على ممارسة الإشراف والتوجيه طويل الأجل على هذا التكتل الضخم، الذي يقوم بتجميع أجهزة «آيفون» لشركة «أبل»، ويدير شركة «الخطوط الجوية الهندية» (إير إنديا)، وينتج أسطول سيارات «جاكوار لاند روفر» والصلب وشاي «تيتلي».

وكان الخلاف حول إدراج الشركة عاملاً حاسماً في النزاعات التي شهدها مجلس الإدارة هذا العام، والتي توجت بإعلان شاندراسيكاران، رئيس مجلس إدارة «تاتا صنز» لفترة طويلة، الشهر الماضي تنحيه عن منصبه عند انتهاء ولايته في فبراير المقبل، ويعني ذلك أن «تاتا» تواجه احتمال الإجبار على خوض عملية إدراج معقدة في الوقت الذي تبحث فيه عن قائد جديد لشركتها القابضة، وكثيراً ما اشتكى كبار التنفيذيين والمستثمرين الأجانب في الهند مما وصفوه بالطابع العشوائي والمتقلب للتشريعات في البلاد، مشيرين إلى أن عدم اليقين بشأن سيادة القانون يشكل عائقاً أمام الاستثمار.

وقال مصدر مقرب من «تاتا صنز»: «إن هناك شركة لا ترغب في التحول إلى شركة عامة، لكن الحكومة تجبرها على ذلك»، مضيفاً أن حالة عدم اليقين التنظيمي التي تحيط بهذه العملية «ستلحق ضرراً بالغاً بالاستثمار الأجنبي».

وأشار نيتين بوتدار، وهو محامٍ قدم استشارات عديدة للشركات متعددة الجنسيات في الهند، وعمل سابقاً لحساب «تاتا»، إلى أن التغييرات المتكررة في قواعد الإدراج لدى بنك الاحتياطي الهندي تشير إلى أنه يطبق القانون بأسلوب انتقائي.

وأوضح بوتدار أن معظم الشركات الهندية الكبرى تصمم هياكل ملكيتها «بطريقة تجعل المالك الحقيقي خفياً دائماً ولتجنب الشفافية».

وتابع: «لا أحد يطلب من تلك الشركات وضع ملكيتها تحت هيكل واحد موحد، وهنا نجد تكتلاً قال بشفافية كاملة: «أنا شركة قابضة واحدة».. فإذا بكم تعاقبون هذه الشركة بالتحديد».

تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 24 شركة تابعة لمجموعة «تاتا»، بما فيها شركة «تاتا لخدمات الاستشارات البرمجية» وسلسلة متاجر التجزئة «ترينت»، مدرجة بالفعل في البورصة؛ وتفرض «تاتا صنز» سيطرتها عليها من خلال حصص كبيرة، غير أن إدراج الشركة القابضة ذاتها قد يجعل بعض هذه الشركات التابعة أهدافاً سهلة للمستحوذين على الشركات، خصوصاً بعد أن أعرب بعض المساهمين بالفعل نيتهم البيع في حال حدوث الإدراج.

وتضغط مجموعة «شابورجي بالونجي»، وهي تكتل للمقاولات والهندسة مثقل بالديون وتربطه علاقات تاريخية بعائلة تاتا، وتعد أكبر مساهم أقلية في «تاتا صنز»، منذ فترة طويلة باتجاه الإدراج، لتتمكن من بيع جزء من حصتها البالغة 18 %.

وفي هذا الصدد قال شخص يشغل منصب عضو مجلس إدارة في الشركات التابعة للمجموعة: «إن التكتلات الاقتصادية المنافسة ستكون مهتمة بالتأكيد بالحصول على حصص في تاتا صنز».

ويعود أصل هذا النزاع التنظيمي إلى خطوة اتخذها بنك الاحتياطي الهندي عام 2022 بتصنيف «تاتا صنز» كونها شركة مالية غير مصرفية ضمن «الفئة العليا»، بموجب قواعد تم إقرارها لإجبار «تاتا»، التي تعد من أكبر «بنوك الظل» في الهند، على التحول إلى شركات عامة، والخضوع لرقابة أشد قسوة.

وذكر بنك الاحتياطي الهندي حينها أن مسعاه لإدراج بنوك الظل يهدف إلى إرساء المزيد من الشفافية، والحد من المخاطر النظامية في القطاع المالي.

وفي محاولة لإخراج نفسها من الإطار التنظيمي، الذي يفرض الإدراج، تقدمت «تاتا صنز» بطلب رسمي في مارس 2024 للتخلي عن تسجيلها «شركة استثمار أساسية»، وذلك بعد أن سددت جميع ديونها، غير أن البنك المركزي غيّر سياسته هذا العام، وحدد حداً أدنى للأصول، يبلغ تريليون روبية (10.4 مليارات دولار) لتعريف بنوك الظل الكبيرة، وذلك بعد فترة طويلة من تقديم «تاتا»، التي تبلغ أصولها تريليوني روبية، طلب إلغاء التسجيل، وهذا يعني أن التكتل ظل عالقاً ضمن نطاق قواعد الإدراج الإجباري.

وأكدت مصادر عدة على دراية بأوضاع «تاتا» أن قرار الإدراج الصادر عن البنك المركزي ما كان ليعبر لولا صدور موافقة من أعلى المستويات في حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، نظراً للأهمية البالغة التي يحتلها التكتل في الاقتصاد الهندي، ولم يستجب بنك الاحتياطي الهندي، ولا وزارة المالية، ولا صناديق تاتا الخيرية، ولا شركة «تاتا صنز» لطلبات التعليق.

وكشفت مصادر مطلعة داخل الشركة أن شاندراسيكاران لم يكن يمانع الإدراج، في حين اتهم نويل، الذي تولى المقاليد بعد وفاة أخيه غير الشقيق راتان تاتا قبل عامين، بتجاهل رغبة الصناديق الخيرية في بقاء «تاتا» شركة خاصة مغلقة.

وأبدت حكومة مودي اهتماماً كبيراً باستقرار مجموعة «تاتا»؛ إذ عقد وزيران بارزان العام الماضي اجتماعاً استثنائياً مع نويل وشاندراسيكاران بينما كانت المجموعة تغرق في أزمة حوكمة، ومنذ ذلك الحين شهدت العلاقة بين الرجلين مزيداً من التدهور وفقاً لمقربين منهما.

وعلق كومار من كلية الهند للأعمال قائلاً: «إن الأمر يشبه إلى حد ما مسلسلاً درامياً هندياً، وهو أمر يدعو للصداع بالكامل بالنسبة لنويل».

والتفت أجهزة الإعلام المحلية حول تكهنات بأن مجلس إدارة «تاتا صنز» قد يطلب من شاندراسيكاران إعادة النظر في قرار مغادرته، للمساعدة في قيادة الشركة نحو الاستقرار قبل الطرح العام الأول، إلا أن شخصاً مقرباً من الشركة أكد أن بقاءه «ليس خياراً مطروحاً».

وأفاد مسؤولون تنفيذيون مقربون من «تاتا» بأن قيادة المجموعة تدرس خياراتها، بما في ذلك إمكانية الطعن القضائي في قرار بنك الاحتياطي الهندي، وهو خيار قد يؤدي إلى إرجاء عملية الطرح.

وأوضح سوميت أغرافال، الشريك المدير في شركة «ريجستريت لو أدفيزرز» للاستشارات القانونية في مومباي والمسؤول السابق في الهيئة التنظيمية لأسواق المال الهندية: «إن النزاعات القضائية عبر نظام المحاكم الهندي تُعرف تاريخياً بطول أمدها»، لكنه حذر من «احتمالية نجاح ضئيلة» بالنسبة لمجموعة تاتا.

وأضاف أغرافال: «تعتاد المحاكم الهندية تاريخياً منح بنك الاحتياطي الهندي هامشاً واسعاً من التقدير في الأمور المتعلقة بالتصنيف الاحترازي والنظامي، وتطبق عادة معياراً مرناً للمعقولية بدلاً من التشكيك في التقييمات الفنية للهيئة التنظيمية».

وأقر مسؤول تنفيذي مقرب من «تاتا» بأن الطعن القضائي قد يمنح الشركة «بعض الوقت، لكني لا أظن أنه سيمنحها أكثر من ذلك».

وأفاد مصدر مطلع بأن الفريق التنفيذي لشركة «تاتا» تحت قيادة شاندراسيكاران بدأ بالفعل العمل بهدوء على وثائق الطرح العام الأولي هذا العام، إلا أن الإدراج قد يستغرق عامين كاملين.

واختتم نيرماليا حديثه بالقول: «على المدى الطويل لا توجد طريقة تمكنهم من التملص من هذا الإدراج. الأمر يشبه مجابهة التيار، وأقصى ما يمكنهم فعله هو تأجيل وصول هذا التيار لبعض الوقت».