مايكل بيل، وإيان بوت، وكلايف كوكَسون
يتذكر جاسون نايت المرة الأولى التي شغّل فيها حاسوباً شخصياً باستعمال عقله فقط.
يقول الشاب الأمريكي البالغ من العمر 35 عاماً: «كانت تجربة التحكم في الحاسوب عن طريق أفكاري، وتحريك المؤشر على الشاشة وممارسة الألعاب، مذهلة للغاية؛ إذ بدت وكأنها تحريك للأشياء عن بعد، وشعرت حينها وكأنني أملك قوة خارقة».
يعد نايت واحداً من أصل أقل من 200 شخص حول العالم زرعت لهم واجهة بين الدماغ والحاسوب (BCI)؛ وهو جهاز يرصد النشاط العصبي، ويترجمه إلى أوامر رقمية.
وتحمل واجهات الدماغ والحاسوب إمكانات واعدة لإعادة القدرة على النطق والحركة للأشخاص الذين فقدوها بسبب الإصابات أو الأمراض، وإذا أصبحت هذه التقنية آمنة ومعقولة التكلفة فقد تحول الحواسيب والأطراف الاصطناعية إلى امتداد مباشر لجسم الإنسان.
ووفقاً لبيانات منصة «بيتش بوك» جمعت الشركات التي تطور واجهات الدماغ والحاسوب أكثر من مليار دولار خلال عام 2026 وحده، مقارنة بنحو 1.56 مليار دولار جمعت على مدار السنوات الأربع السابقة مجتمعة.
وتتصدر «نيورالينك»، التي أسسها إيلون ماسك قبل عقد، قائمة الشركات الأكثر تمويلاً، بعدما جمعت أكثر من 1.3 مليار دولار عبر 7 جولات تمويلية، إلا أن عشرات المنافسين يستقطبون أيضاً استثمارات ضخمة، في ظل سعيهم لاستكشاف مسارات متنوعة لربط الحواسيب بالجهاز العصبي.
وقال مايكل ماجر، الرئيس التنفيذي لشركة «بريسيجن نيوروساينس» الناشئة في نيويورك، التي صنعت الشريحة المزروعة لـ «نايت»: «يشهد هذا القطاع تسارعاً كبيراً مع تدفق المستثمرين نحو تكنولوجيا الأعصاب.
ونحن في القطاع الصناعي نعمل الآن على تحويل هذه التقنية التحويلية إلى منتجات ذات أثر واسع النطاق».
وتعكف الشركات الأكثر طموحاً على تطوير أجهزة مصممة للاستخدام طويل الأمد، تزرع عبر فتحة جراحية في الجمجمة. ويتضمن بعضها، مثل أجهزة «نيورالينك»، أقطاباً كهربائية داخل الدماغ.
في المقابل تعمل شركات أخرى، من بينها «بريسيجن نيوروساينس»، على تطوير واجهات دقيقة ومبتكرة على شكل أشرطة مرنة تلصق على سطح الدماغ دون اختراقه.
وقد زرع الجهاز لـ«نايت» خلال خضوعه لجراحة لاستئصال أورام سرطانية في الدماغ، في إطار تجربة سريرية استمرت بضعة أيام.
ويقول نايت: «لم أشعر بأي ألم أو ثقل في رأسي؛ وبمجرد أن تعتاد على الأمر تتكفل أفكارك بالتحكم في كل ما يحدث على شاشة الحاسوب دون أدنى مجهود».
ويرى دانييل كويل، مدير معهد تعزيز القدرات البشرية بجامعة باث: «إن أغلب الزخم والتمويل يذهب نحو الواجهات القابلة للزرع؛ فالتقنيات غير الجراحية لا تزال غير دقيقة في التعامل مع الإشارات، لكنها تمتلك آفاقاً واسعة للتطور خلال السنوات القليلة المقبلة، كاستخدامها مثلاً في تعديل النشاط الدماغي».
وتستفيد الشركات الأمريكية في هذا المجال، ومن هيئة الغذاء والدواء الأمريكية، التي يراها التنفيذيون أكثر مرونة وتجاوباً مقارنة بالمؤسسات التنظيمية في أوروبا.
رغم ذلك نشأت في أوروبا نخبة من شركات واجهات الدماغ والحاسوب المبتكرة، من بينها «كورتيك» في ألمانيا، و«أونورد ميديكال» في هولندا، و«إن برين» في إسبانيا، إضافة إلى «نيوروسوفت» و«أبيليتي نيوروتك» في سويسرا.
وقال فرانك ديزيريه، الرئيس التنفيذي لشركة «كورتيك»: «تكمن الميزة التنافسية للوجود في أوروبا في إرثها العريق في المجالات الهندسية والتصنيع الدقيق، فضلاً عن الكفاءات المختصة في علوم الأعصاب»، إلا أنه أضاف أن أوروبا «تعاني فجوة حقيقية في تمويل المراحل المتأخرة ورأس المال المخصص للتوسع، إلى جانب تجزئة بيئة التأمين والتغطية المالية»، فضلاً عن افتقار القارة لجهة تنظيمية «تقدم الإرشاد والاستشارات للمصنعين كما هو الحال في الولايات المتحدة».
نتيجة لذلك اختارت الشركة موقعين في أمريكا، وهما جامعة واشنطن، ومايو كلينك، لإجراء أولى التجارب السريرية لواجهاتها الدماغية.
في الوقت نفسه يشهد هذا القطاع نمواً متسارعاً في الصين، عقب تصنيف بكين لواجهات الدماغ والحاسوب العام الماضي كونه قطاعاً استراتيجياً وطنياً، مع وضع خارطة طريق لتأسيس شركتين أو ثلاث شركات «عالمية المستوى» بحلول عام 2030.
وقد أطلقت مقاطعات صينية عدة صناديق استثمارية ومناطق صناعیة تخصصیة، ودعمت الشركات الناشئة، إلى جانب دعم المستشفيات التي تجري التجارب السريرية.
وحذا المستثمرون من القطاع الخاص حذو الحكومة؛ فخلال النصف الأول من 2026 ضخ مستثمرو رأس المال الجريء نحو 7 مليارات يوان صيني في قطاع تكنولوجيا الأعصاب بوجه عام عبر 60 صفقة استثمارية، وفقاً لبيانات منصة «آي تي جيو زي».
وتعمل نحو 12 شركة صينية على تطوير أجهزة جراحية لزرع الواجهات الدماغية، بينما يعكف عدد أكبر بكثير على تطوير تطبيقات غير جراحية، وتعد شركة «نيورواكسيس»، التي تأسست في شانغهاي عام 2021، إحدى الشركات الرائدة في المجال؛ حيث تطور شرائح مرنة قابلة للزرع لعلاج الاضطرابات العصبية الحادة.
وتعمل أغلب واجهات الدماغ والحاسوب في اتجاه واحد؛ إذ تقرأ الإشارات من الدماغ وتحولها إلى أوامر إلكترونية، إلا أن بعض الشركات تطور أنظمة يمكنها أيضاً إعادة إرسال الإشارات إلى الدماغ، ما يخلق تبادلاً ثنائي الاتجاه يعرف باسم «التحفيز مغلق الحلقة»، و«كورتيك» من هذه الشركات.
وأوضح ديزيريه: «الأمر يشبه إدارة حوار مع الدماغ، وتعديل علاجنا ليتناسب مع الإشارات الفردية لكل مريض، ففي حالات السكتات الدماغية نستهدف القشرة الحركية، لنقرأ ونحفز الخلايا هناك لتعمل معاً، لأن الخلايا العصبية التي تنشط معاً ترتبط معاً بشكل أقوى».
وقد جعلت التطورات المتسارعة في أجهزة الاستشعار، والمواد المتقدمة، والبطاريات، والمحركات، والبرمجيات جعلتها أكثر خفة وكفاءة وأسهل في التحكم.
وتقوم شركة «أوبن بايونيكس»، ومقرها بريستول، بتصنيع أذرع مزودة بمستشعرات تكتشف الحركة في عضلات المستخدم، وترسل الإشارات إلى اليد الاصطناعية، ورغم تقلب المناخ الاستثماري على مدار السنوات الـ 12 من عمر الشركة فإن إيراداتها سجلت معدل نمو سنوياً مركباً بلغ 60 % منذ عام 2018
ويرى جويل جيبارد، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«أوبن بايونيكس»، أن القدرة التقنية لبناء يد تحاكي العديد من الحركات الطبيعية أصبحت موجودة بالفعل، إلا أن الأنظمة المستخدمة للتحكم فيها لا تزال «بدائية للغاية»، وهي المشكلة التي تملك واجهات الدماغ والحاسوب القدرة على حلها.
ويأمل الباحثون أن يؤدي الربط المباشر بالدماغ في نهاية المطاف إلى توفير الواجهة المفقودة، بل وإعادة حاسة اللمس إذا ما تدفقت الإشارات في كلا الاتجاهين.