موريتز كريمر
كبير الاقتصاديين في بنك «LBBW» الألماني والرئيس السابق لإدارة تصنيفات الديون السيادية في وكالة «ستاندرد آند بورز»
عقب موجات الحر المتتالية التي اجتاحت أوروبا وشمال أمريكا طوال فصل الصيف، أصبحت تكاليف الاحتباس الحراري والجفاف شديدة الوضوح، إذ تجلت في الحقول القاحلة، وارتفاع الضغط على شبكات الكهرباء، وتراجع إنتاجية العمل، فضلاً عن تزايد خسائر شركات التأمين.
وفي غضون ذلك، يحذر بعض العلماء من أن احترار الكوكب يتسارع بمعدلات تفوق المخاوف السابقة، ما يجعل التكيف مع عالم أشد حرارة أمراً متزايد الإلحاح، في وقت تتصاعد فيه فاتورة التأخير باستمرار.
ولا تتضح جسامة تحديات التمويل في أي مكان بقدر ما تظهر في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية. فهذه الدول تحتضن غالبية سكان العالم وتستوعب النمو السكاني العالمي بأكمله.
كما أنها أكثر فقراً، ما يعني أن المدخرات المحلية فيها غير كافية لتمويل الاستثمارات اللازمة للحد من الانبعاثات والتكيف مع التغير المناخي. ومع ذلك، تعد هذه البلدان من بين الأكثر عرضة للمعاناة جراء احترار الكوكب.
وينبغي ألا تسلك الدول الأكثر فقراً مسار التنمية القائم على الكثافة في استخدام الوقود الأحفوري الذي اعتمدته الاقتصادات الغنية.
فوفقاً للاتجاهات الحالية، بتوقع أن ترتفع حصة الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من نحو 42% حالياً إلى 53% بحلول منتصف القرن، ما يجعل تحقيق الأهداف المناخية العالمية أمراً شبه مستحيل.
ومع عجز المدخرات المحلية عن تلبية متطلبات التخفيف والتكيف، تحول التركيز نحو التمويل الخارجي.
وقد قدرت خريطة الطريق «من باكو إلى بيليم»، المتفق عليها في مؤتمرات الأمم المتحدة للتغير المناخي، أن الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية ستحتاج إلى نحو 1.3 تريليون دولار سنوياً من التمويل الخارجي بحلول عام 2035، حتى بعد احتساب المبالغ التي يمكنها حشدها محلياً. وقبل التطورات الأخيرة في أسعار الفائدة، يبدو هذا الهدف عسير المنال.
وقد شهدت أسعار الفائدة طويلة الأجل في أسواق السندات ارتفاعاً حاداً خلال الأسابيع الأخيرة، ما يعكس تأثير عوامل عدة؛ أبرزها تزايد قلق المستثمرين بشأن الاستدامة المالية للدول الغنية على المدى الطويل.
ففي كل مكان تقريباً، تندفع الدول الغنية نحو نهم الاقتراض، حيث ارتفع دينها العام ليصل إلى نحو 110% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بأقل من 70% في بداية هذا القرن.
وهناك حقيقة مقلقة تتمثل في أن ضغوطاً مالية جسيمة لا تزال تلوح في الأفق؛ إذ ستلقي ظاهرة شيخوخة السكان بظلالها الثقيلة على الميزانيات العامة، بينما سيعمل الذكاء الاصطناعي على تآكل القواعد الضريبية.
وتتضح هذه التحديات المالية في الولايات المتحدة؛ إذ يقدر مكتب الميزانية التابع للكونجرس، في ظل السياسات الحالية، أن نسبة الدين الفيدرالي ستصل إلى 190% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول منتصف خمسينيات هذا القرن، وهو ما يبدو أقرب إلى كارثة وشيكة الوقوع.
ومع ارتفاع تكاليف خدمة الدين، تتدهور الأوضاع المالية للدول؛ وهي مشكلة تؤرق الدول الغنية، وتزداد تعقيداً وإرباكاً بالنسبة للدول الأكثر فقراً.
وتزيد الفائدة المرتفعة صعوبة استقطاب الأسواق الناشئة لرؤوس الأموال اللازمة للاستثمار المناخي.
فقد كشفت دراسة أجراها بنك التسويات الدولية أن زيادة قدرها نقطة مئوية واحدة في سندات الخزانة الأمريكية ترتبط تاريخياً بارتفاع عائدات السندات بالعملة المحلية في الأسواق الناشئة بنسبة 1.5 نقطة مئوية، وانخفاض قيمة عملاتها بنسبة 6%، فضلاً عن خروج تدفقات استثمارية من صناديق السندات والأسهم تعادل نحو 8% من إجمالي صافي الأصول عند بداية الصدمة.
بعبارة بسيطة: في الوقت الذي تصبح فيه الاستثمارات المناخية في الدول الفقيرة أكثر أهمية وإلحاحاً، تتراجع القدرة على تحمل تكاليفها، والسبب يرجع إلى الانفلات المالي وعدم الانضباط في العالم الغني.
من هنا، ينبغي لمؤتمر الأمم المتحدة القادم للمناخ (COP31) في أنطاليا أن يحقق تقدماً ملموساً في ملف التمويل المناخي. فبنوك التنمية متعددة الأطراف والمساعدات الثنائية لن تكون كافية وحدها، بالنظر إلى الميزانيات العمومية لهذه البنوك التي تفرض قيوداً صارمة تحول دون حشد المبالغ المطلوبة.
وهناك خيارات عدة تستحق الدراسة الجادة؛ منها فرض ضرائب الكربون لزيادة الإيرادات والحد من الانبعاثات في الوقت نفسه. كما يمكن لتخصيصات جديدة وموجهة لـ «حقوق السحب الخاصة» التابعة لصندوق النقد الدولي، وهي أصول يمكن استخدامها لسداد الديون أو استبدالها بالدولار واليورو والعملات الأخرى، أن توجه السيولة نحو الاستثمارات المناخية.
ودعا البعض إلى فرض ما يسمى بـ«رسوم التضامن» على الأنشطة المستفيدة من العولمة، مثل الشحن البحري، والطيران، والمعاملات المالية. أما الخيار الآخر فيتمثل في التوريق المالي للمساعدات الإنمائية الرسمية المستقبلية لحشد الموارد لمشاريع التخفيف العاجلة.
ورغم أن أياً من هذه الأدوات لا يمثل حلاً سحرياً في حد ذاته، إلا أنها قد تشكل جزءاً من حزمة تمويلية منطقية وعملية.
ولا شك في أن مستهدف الـ 1.3 تريليون دولار لتغطية احتياجات الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية بحلول عام 2035 يتسم بطموح كبير؛ غير أن الخطر الأكبر يكمن في أن يقع التمويل المناخي ضحية أخرى للسياسات قصيرة النظر.
ورغم ذلك، فإن الحر القاسي الذي شهده هذا الصيف ينبغي أن يذكر القادة بحجم الرهانات والمخاطر، فاستقرار المناخ لن يتحقق دون مقابل، والإخفاق في التحرك الآن ستكون تكلفته أعلى بكثير.