أورلا رايان
في صباح يوم سبت مطير وشديد الرطوبة في وسط هونغ كونغ، كانت الكلبة «أولي»، وهي من فصيلة «داكشند» تبلغ من العمر 10 أشهر تقريباً وترتدي حفاضاً ومعطفاً وردياً أنيقاً، في طريقها لقاء شقيقها في أحد المقاهي القريبة.
وبفضل القواعد التنظيمية الجديدة التي أُقرت الصيف الجاري، أصبح هذا اللقاء ممكناً داخل القاعات المغلقة للمطاعم والمقاهي. وأصبح نحو 990 منشأة لتقديم الأطعمة والمشروبات تمتلك ترخيصاً يسمح بدخول الحيوانات الأليفة، ما يضع حداً لحظر استمر عقوداً طويلة.
وبالنسبة لمالكي الكلبة «أولي»، الزوجان آندي وبينكي، فإن هذا التحرر الإجرائي يمثل طوق نجاة في مدينة تفرض قيوداً صارمة ومستمرة على اصطحاب الكلاب في وسائل النقل العام والشواطئ والحدائق العامة. ويقول آندي: «نحن بحاجة لتناول الطعام خارج المنزل، والآن لم نعد مضطرين لتركها بمفردها في البيت».
ولا يعود الدافع وراء هذا التغيير الإجرائي في هونغ كونغ إلى أسباب تنظيمية فحسب، بل يرتكز في جوهره على دوافع اقتصادية؛ إذ يسعى الإقليم إلى إنعاش قطاع الضيافة الذي تعرض لضربات قاسية نتيجة اتجاه أعداد متزايدة من السكان شمالاً نحو البر الرئيسي الصيني للاستمتاع بالطعام والترفيه بأسعار معقولة.
وخلال الكشف عن الإصلاحات الجديدة، أعلن جون لي، الرئيس التنفيذي للإقليم، أن الحكومة ترغب في دعم الأعمال التي توفر «مساحات صديقة للحيوانات الأليفة»، مشيراً إلى أن نحو 400 ألف قطة وكلب أليف في الإقليم يشكلون «سوقاً استهلاكية ضخمة».
ومع ذلك، أثارت القواعد الجديدة، التي تشترط ألا يتجاوز طول مقود الكلب 1.5 متر، بعض الاستياء بين المرتادين، حيث برزت شكاوى حول إطعام الحيوانات الأليفة بأدوات المطعم المخصصة للبشر، أو وقوفها على طاولات الطعام.
وهكذا، أصبح لمطاعم هونغ كونغ نمط جديد من الزبائن، حيث سمحت السلطات لنحو ألف منشأة مسجلة بفتح أبوابها للكلاب داخل القاعات المغلقة. وأمام وجود 400 ألف حيوان أليف، ترى السلطات في تنمية «اقتصاد الحيوانات الأليفة» فرصة حيوية لتحفيز الإنفاق المحلي.
كما يعكس اقتناء الحيوانات الأليفة ظاهرة ديموغرافية واضحة في مدينة تسجل أحد أدنى معدلات الإنجاب في العالم؛ إذ جعلت التكاليف الباهظة للإسكان والمعيشة من تأسيس عائلة وإنجاب الأطفال أمراً مكلفاً للغاية للعديد من الأسر.
لكن هذا التغيير لم يحظ بترحاب الجميع؛ إذ ظهرت تقارير تشير إلى قيام بعض الكلاب بلعق أدوات الطعام ومضايقة الزبائن، ما دفع بعض المطاعم إلى الانسحاب من البرنامج. وبالنسبة لقطاع الضيافة المتعثر في هونغ كونغ، قد يشكل دخول الكلاب الدفعة الاقتصادية المطلوبة، لكنه في الوقت نفسه يختبر مدى جاهزية المدينة المعروفة بضيق مساحاتها لاستيعاب هذه التجربة.
وأفادت إدارة الأغذية والنظافة البيئية بأن تطبيق تراخيص إدخال الحيوانات الأليفة للمقاهي والمطاعم المغلقة منذ يوليو الماضي يسير «بشكل سلس عموماً». غير أنها أضافت أنها تلقت في البداية ملاحظات وردود فعل تتعلق بـ «مدى السيطرة على حركة الكلاب، وملامستها لطاولات الطعام».
وقد أقامت الإدارة دعويين قضائيتين ضد أشخاص أخفقوا في السيطرة على كلابهم، و17 دعوى ضد مطاعم سمحت بدخول الكلاب دون الحصول على الترخيص اللازم، إلى جانب 5 دعاوى ضد أصحاب كلاب ارتادوا مطاعم غير مرخص لها، في حين فضلت 62 منشأة الانسحاب من المنظومة.
وتقول ستيفاني، وهي موظفة بنك في الثلاثينيات من عمرها وتقتني كلبة من فصيلة «شيتلاند» تبلغ عامين تُدعى «مويموي»: «يبدو أن المجتمع منقسم بشدة حول هذا الأمر، فهناك من لا يحبون الكلاب ويشنون هجمات إلكترونية عبر الإنترنت على أصحاب المطاعم لإجبارهم على التراجع عن قرارهم».
ورغم ذلك، يبدو أن معظم سكان هونغ كونغ يعشقون الكلاب؛ حيث تنتشر الكلاب صغيرة الحجم والمعتنى بها ببراعة في كل مكان، سواء أكانت محمولة تحت أذرع أصحابها، أم داخل حقائب الظهر، أو حتى في عربات دفع مخصصة للكلاب.
وربط العديد من أصحاب الكلاب هذا الشغف المحلي بالحيوانات الأليفة بالتكاليف الباهظة لإنجاب الأطفال وتربيتهم؛ إذ تسجل هونغ كونغ، المعروفة بشققها الضيقة وتكاليفها المعيشية المرتفعة، واحدة من أدنى معدلات الخصوبة على مستوى العالم.
وتقول كلوديا، وهي مهنية متقاعدة في قطاع التجميل تزور المقهى بانتظام برفقة كلبها «أولي» البالغ من العمر ثلاثة أعوام، إن الإنجاب أصبح مكلفاً للغاية، وتضيف: «هذا هو سببي الرئيسي».
ويوضح البروفيسور ستيوارت جيتيل-باستن، الأستاذ في جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا، أبعاد هذه الأزمة قائلاً: «الأمر يتعلق بالواقعية العملية؛ فالتكاليف تتراكم فوق بعضها. يمر الفرد بنظام تعليمي مكثف، ثم يحصل على وظيفة، ولكنه يظل غير قادر على تحمل تكلفة شراء منزل، ليكون القرار الأكثر إرهاقاً له مالياً هو إنجاب الأطفال. وبالتالي، تصبح تربية حيوان أليف تسوية منطقية تماماً».
رغم ذلك، لا يزال السماح بدخول الكلاب للمطاعم خياراً غير مقبول لدى الجميع.
ففي الوقت الذي يدخل فيه زوجان برفقة كلبهما «مات» إلى مقهى يقع على الواجهة البحرية لغرب كولون، يرحب مدير المقهى تييري بيرو بالكلاب، لكنه يحتفظ بتحفظاته بشأن مدى نجاح هذه المبادرة على المدى الطويل.
ويقول بيرو: «قد ترتفع أصوات النباح، وهناك من لا يفضل وجود الكلاب بجواره»، متذكراً واقعة تعرضه للعض في مطعم آخر أثناء محاولته تقديم الخدمة لزبائن يصطحبون حيوانين أليفين في الجلسات الخارجية. ويضيف: «في مكان ضيق مثل هذا، لا يعد تحرك خادم يحمل أطباق الطعام بجوار كلب مربوط بالمقود أمراً مريحاً أو آمناً. فالجميع يقولون إنه كلب لطيف... حتى يتغير الوضع فجأة».

