ترامب يتوعد الأبطال الخارقين في بريطانيا

فرانك مانيون - منتج سينمائي وأكاديمي ومؤلف كتاب «الموزع السينمائي المعتمد»
عندما ابتكر بوب كين وبيل فينجر شخصية «باتمان» عام 1939، لم يكن يخطر ببالهما مطلقاً أن مدينة ليفربول ستقوم يوماً ما بدور مدينة «غوثام».

إلا أن هذا ما حدث بالفعل في فيلم «باتمان» الذي أخرجه مات ريفز عام 2022.

وكان ستان لي وستيف ديتكو، مبتكرا شخصية «سبايدرمان»، سيندهشان بالقدر نفسه لو علما أن مدينة جلاسكو حلت محل نيويورك في الفيلم العالمي الناجح «سبايدرمان: يوم جديد كلياً» لهذا العام.

بعبارة أخرى، لقد أصبح أبطال أمريكا الخارقون بريطانيي الهوى والإنتاج، ولكن السؤال المطروح اليوم هو: هل سيستمر هذا الوضع؟

طالما كانت هوليوود عاصمة السينما العالمية، غير أن عمليات الإنتاج أخذت تتحول تدريجياً على مر السنين نحو الخارج.

فبعد أن بلغت القوة العاملة في القطاع ذروتها بأواخر تسعينيات القرن الماضي لتصل إلى 262 ألف شخص، تراجع هذا الرقم بحلول عام 2024 ليقتصر على 100 ألف عامل فقط.

وبات ما يعرف بـ «الإنتاج الهارب» يشكل تحدياً جسيماً، إلى الحد الذي دفع غافين نيوسوم، حاكم ولاية كاليفورنيا، للتصريح أخيراً بأن صناعة السينما في هوليوود أصبحت «تعتمد على أجهزة الإنعاش الصناعي».

وكانت المملكة المتحدة، أو ما يطلق عليه مجازاً «بروليوود»، أحد أكبر الرابحين من هذا التحول، إذ تضم حالياً قوة عاملة خلف الكواليس يقدر عددها بنحو 244.500 شخص، يعتمد معظمهم على إنتاج الأفلام الأمريكية المصورة في بريطانيا.

وقد شكل إقرار الإعفاءات والتخفيضات الضريبية للأفلام عام 1997 الشرارة الأولى لهذا النمو الاقتصادي، فبحلول عام 2000، كانت شركة «وارنر برذرز» تصور فيلم «هاري بوتر وحجر الفلاسفة» في مطار مهجور بمنطقة ليفسدن شمال لندن.

وفي عام 2004، بدأ المخرج البريطاني الشاب آنذاك، كريستوفر نولان، برفقة طاقم تمثيل يقوده الممثلون البريطانيون كريستيان بيل وغاري أولدمان ومايكل كين، تصوير فيلم «باتمان يبدأ» ثم تبعته أجزاء مثل «نهوض فارس الظلام» داخل المملكة المتحدة.

واستقطبت هذه الأفلام ملايين الدولارات من التخفيضات الضريبية، لتصبح «وارنر برذرز» واحدة من أكبر المستثمرين في القطاع السينمائي البريطاني.

وفي عام 2014، أعلن وزير الخزانة البريطاني آنذاك جورج أوزبورن زيادة الائتمانات الضريبية من موقع تصوير فيلم «حرب النجوم: القوة تستيقظ»، حيث التقط أوزبورن، الذي اعترف بأنه من أشد المعجبين بالفيلم، صورة تذكارية مع الآلي «R2-D2»، بل إن شركة «ديزني» وجهت له الشكر في شريط نهايات الفيلم.

وغرّد أوزبورن حينها قائلاً: «سيتم إنتاج فيلم آخر من سلسلة حرب النجوم في المملكة المتحدة.. إنها خطة اقتصادية طويلة المدى في مجرة بعيدة جداً».

وأسهم هذا التوجه في جذب منصات البث التدفقي الأمريكية وأفلام «مارفل»، بما في ذلك «ديدبول ووفلفرين» و«أفينجرز: دومزداي»، التي صُورت في بريطانيا، فضلاً عن أعمال نيتفليكس مثل و«نارنيا: ابن أخت الساحر».

غير أن بعض المؤشرات المقلقة ظهرت في الآونة الأخيرة، حيث صرح دونالد ترامب هذا الشهر برغبته في إعادة الصناعة «إلى أمريكا»، موضحاً أنه يدعم فرض حوافز ضريبية اتحادية لتحقيق هذه الغاية.

وفي الوقت نفسه، أفاد معهد الفيلم البريطاني أخيراً بتراجع الإنفاق على إنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية عالية القيمة في المملكة المتحدة بنسبة 15.6 % خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالعام الماضي، وذلك رغم رفع قيمة الائتمانات الضريبية للقطاع السمعي البصري في المملكة المتحدة عام 2024 لتبلغ ما بين 25 % و40 %، اعتماداً على حجم الإنفاق المؤهل.

ومن دون هذا الدعم كانت صناعة السينما البريطانية لتعاني من استنزاف شبه كامل لإمكانياتها.

وقد يُوصف منتجو الأفلام المقيمون في بريطانيا بأنهم «مستقلون»، لكنهم في واقع الأمر يعتمدون كلياً على ثلاثة عناصر رئيسية: النجوم، والدعم الحكومي، ومنصات البث، حيث تنفق شركة نيتفليكس وحدها 1.5 مليار دولار سنوياً على إنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية البريطانية منذ عام 2020.

أما بالنسبة للمشاريع ذات الميزانيات المنخفضة، فهم يعتمدون على تمويل جهات مثل معهد الفيلم البريطاني، وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، وقناة «فيلم 4»، إضافة إلى شركات الملكية الخاصة.

وكحال العديد من المنتجين في المملكة المتحدة، أحرص شخصياً على إنتاج الأفلام التي تتأهل للحصول على الإعفاء الضريبي فقط، ومن ثم فإن مصطلح «الاستقلالية» يعد تفنيداً غير دقيق للواقع.

وقد بدأت آثار هذا الضغط تظهر في مناطق عدة؛ إذ أعلنت شركة «نيتفليكس» أخيراً عن استثمار بقيمة مليار دولار في استوديو إنتاج جديد بولاية نيوجيرسي، في إشارة إلى التحول العكسي نحو الإنتاج المحلي داخل الولايات المتحدة بعدما أقدمت الولاية على تعزيز تخفيضاتها الضريبية للأفلام.

واعترف تيد ساراندوس، رئيس نيتفليكس التنفيذي، بنقل سبعة أعمال إنتاجية إلى نيوجيرسي كان يُفترض تصويرها أصلاً في بريطانيا.

في الوقت ذاته، يساور القلق أطقم العمل السينمائي البريطانية من احتمال أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تفريغ قطاع المؤثرات البصرية المزدهر في البلاد من مضمونه.

وكان ترامب هدد في وقت سابق بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 % على الأفلام المصنوعة في الخارج، وهي فكرة قوبلت بإدانة واسعة واستنكار باعتبارها غير مسبوقة. إلا أن الحكومة البريطانية كانت في الواقع أول من فرض عقوبات على واردات الأفلام الأمريكية عام 1927 رداً على هيمنة هوليوود.

وقد أدت هذه السياسة الحمائية إلى بروز نوع سينمائي يُعرف بـ «أفلام الحصص السريعة»، وهي أفلام بريطانية منخفضة كان لها الفضل في مساعدة مخرجين بارزين من ألفريد هيتشكوك إلى ديفيد لين على تطوير مسيرتهم المهنية.

وبعد مرور قرن من الزمان، يتمثل إرث هوليوود في بريطانيا في بنية تحتية للاستوديوهات ذات مستوى عالمي، إلى جانب جيل جديد من النجوم والمخرجين وأطقم العمل المحليين.

وكان كريستوفر نولان قد صرح بأن الائتمان الضريبي السينمائي المطور «سيخلق فرصاً جديدة للأعوام المقبلة».

ولا يسعنا إلا أن نأمل في استمرار هوليوود ومنصات البث التدفقي في تمويل هذه الفرص، وإلا فإن الحكومة البريطانية قد تجد نفسها مضطرة لزيادة الحوافز الضريبية للحفاظ على التنافسية الاقتصادية لهذا القطاع.