الألواح الشمسية تهدد شبكات الكهرباء التقليدية

راشيل ميلارد وحمزة جيلاني ومونيكا مارك وكريشن كوشيك
تواجه شبكات الكهرباء التقليدية حول العالم اختباراً هيكلياً غير مسبوق، مع الانتشار السريع للألواح الشمسية منخفضة التكلفة، التي أغرقت الأسواق العالمية بسبب فائض القدرة التصنيعية للصين. 

ولم تعد الطاقة الشمسية مجرد أداة حكومية لخفض الانبعاثات، بل تحولت إلى وسيلة مباشرة للأسر والشركات لتقليص فواتير الكهرباء لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف موثوقية الشبكات.

وبنهاية 2025، بلغت القدرة التوليدية التراكمية للأنظمة الكهروضوئية نحو 1.2 تيراواط عالمياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الكهرباء التي تولدها كل المفاعلات النووية في العالم. ويعكس هذا الرقم أنه أصبح بإمكان المستهلكين إنتاج جزء متزايد من احتياجاتهم بأنفسهم، بدلاً من انتظار استثمارات حكومية ضخمة في محطات وشبكات جديدة.

ويعود جانب كبير من هذا التحول للانخفاض الهائل في تكلفة الألواح الشمسية؛ فبعدما كانت تكلفة اللوح تتراوح بين 5 و6 دولارات/ واط مطلع الألفية، تراجعت إلى نحو 12 سنتاً حالياً، وهو مستوى وصفه ديف جونس، الشريك المؤسس لمؤسسة «إمبير»، بأنه «زهيد إلى حد الصدمة». وتقف الصين في قلب هذه الطفرة، إذ تبلغ قدرتها التصنيعية للألواح الشمسية نحو 1.36 تيراواط سنوياً، وفقاً لبيانات «وود ماكنزي».

وفي باكستان، أصبحت الطاقة الشمسية جزءاً من استراتيجية البقاء. ففي شقوال أضاف مصنع «بيست واي سيمينت» للأسمنت 6.34 ميجاواط من الطاقة الشمسية بنهاية العام، إلى جانب 26 ميجاواط قائمة بالفعل، ليغطي ربع احتياجات المصنع من الطاقة. وقال مدير المصنع عبد الوحيد: إن الاستثمار في الطاقة الشمسية أصبح الوسيلة الوحيدة أمام الشركة للحفاظ على قدرتها التنافسية في ظل ارتفاع تكلفة الكهرباء.

لكن ما يمثل إنقاذاً لبعض المستهلكين تحول إلى مشكلة لشركات المرافق. ووصف سيد محمد طه، الرئيس التنفيذي لشركة «كاي إلكتريك» في كراتشي، الألواح الشمسية بأنها «نعمة ونقمة». فقد بدأ كبار المشتركين القادرين على تحمل تكلفة الاستثمار، خصوصاً في حي «ديفينس» الراقي، في توليد الكهرباء بأنفسهم، ما يحرم شركة المرافق من شريحة من أكثر عملائها ربحية.

وفي المقابل، تظل الشركة مسؤولة عن المناطق الأقل دخلاً، حيث تواجه خسائر كبيرة في تحصيل قيمة الكهرباء. ففي حي «لياري»، تخسر الشركة بين 30 و40 روبية مقابل كل 100 روبية تنفقها، ما رفع فاتورة الكهرباء على العملاء الأقل دخلاً.

وتتكرر الظاهرة في أفريقيا، التي ستضيف 17 جيجاواط من الطاقة الشمسية هذا العام، معظمها لصالح القطاع التجاري. ففي جنوب أفريقيا، تنتج «شوب رايت» للأغذية 43 ميجاواط من الطاقة الشمسية وتتجه لإضافة أنظمة تخزين بالبطاريات. وساهم انتشار الألواح لدى الأسر الجنوب أفريقية في انخفاض مبيعات شركة الكهرباء الحكومية «إسكوم» بنسبة 7 % من إجمالي انخفاض بلغ 11.7 تيراواط/ساعة.

رغم ذلك، لا تزال الشبكة العامة ضرورية. وأوضح دان ماروكاني، الرئيس التنفيذي لـ«إسكوم»، أن الاعتماد الكامل على التوليد الذاتي ليس ممكناً حتى الآن. فقد اضطرت الدولة إلى الاعتماد على المحطات الحكومية بالكامل لمدة ثلاثة أيام متواصلة عندما أدى الطقس الغائم لتراجع إنتاج الأنظمة الشمسية المنزلية.

وفي الفلبين، تضاعفت المساحات المخصصة للألواح الشمسية على الأسطح خلال 12 شهراً حتى أبريل، مع قدرة المنازل على استرداد تكلفة الاستثمار في أقل من ثلاث سنوات.

أما الهند، فقد وسعت نطاق التحول من خلال برنامج وطني مدعوم أطلق في فبراير 2024 بميزانية قدرها 8 مليارات دولار. وزود البرنامج أكثر من 5 ملايين منزل بالألواح الشمسية، بمعدل إضافة يبلغ نحو 500 ألف منزل شهرياً.

وقال برافير سينها، الرئيس التنفيذي لـ«تاتا باور»: إن الهند تمكنت من الحد من بعض التداعيات على شركات المرافق من خلال توجيه الدعم لذوي الدخل المنخفض وإشراك شركات الكهرباء في عمليات التركيب والصيانة، بدلاً من تركها تخسر عملاءها تدريجياً.

وفي بريطانيا، يتزايد الإقبال على ألواح بقدرة 800 واط يمكن توصيلها بسهولة بالمقابس المنزلية، مدفوعاً بمحاولة الأسر خفض فواتيرها، كما يستمر انتشار الطاقة الشمسية في أمريكا رغم إلغاء بعض الحوافز الضريبية.

وحذّرت جوزفين بيرج من «إس آند بي جلوبال» من خطر نشوء «دوامة موت» استثمارية. فكلما خرج المستهلكون الأكثر قدرة على تحمل التكلفة من الشبكة، تراجعت الإيرادات، ما يجعل تمويل صيانة الشبكات وتحديثها أكثر صعوبة. وفي نهاية المطاف، تنتقل حصة أكبر من التكلفة إلى المستهلكين الذين لا يستطيعون شراء الألواح ولا البطاريات.

هذا الانتشار السريع للألواح الشمسية يفرض تحدياً أعمق، فالشبكات التقليدية بنيت على نموذج مركزي تنتج فيه محطات كبيرة الكهرباء ثم توزعها على المستهلكين. أما النموذج الجديد فيضيف ملايين مصادر التوليد الصغيرة والمتغيرة إلى النظام، وقد يحول بعض المستهلكين إلى منتجين ومستهلكين في الوقت نفسه.

كما يزداد تعقيد مهمة مشغلي الشبكات بسبب صعوبة التنبؤ بالطلب. وظهر هذا التحدي بوضوح في انقطاع التيار الذي ضرب إسبانيا والبرتغال العام الماضي. ويرى البروفيسور يانوش بيالك من «إمبريال كوليدج لندن» أن أنظمة التشغيل لم تكن مهيأة بالسرعة الكافية لاستيعاب التوسع في التوليد البديل.

وفي أستراليا، يواجه مشغلو شبكات الضغط العالي مشكلة أخرى تتمثل في الانخفاض الحاد في الطلب خلال ساعات الظهيرة، عندما تنتج الألواح الشمسية كميات كبيرة من الكهرباء. ما دفع المشغلين لتقديم الكهرباء مجاناً للحفاظ على توازن النظام.

وبينما يؤدي زيادة إنتاج الألواح الشمسية إلى زيادة جهد الشبكة والضغط عليها. حذر البروفيسور بيرلويجي مانكاريلا من جامعة ملبورن من أن مرور سحابة كثيفة فوق مدينة مثل بيرث الأسترالية يمكن أن يؤدي لهبوط مفاجئ في إنتاج الطاقة الشمسية يعادل فقدان محطة نووية كاملة.

رغم ذلك، لا يبدو أنها نهاية الشبكات التقليدية، حيث يتجه مشغلو الشبكات إلى استخدام الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة لتوقع الإنتاج والاستهلاك بصورة أدق، لتحليل ظروف البنية التحتية والطقس والتغيرات اللحظية في العرض والطلب.

لكن شركات الكهرباء ستحتاج أيضاً إلى إعادة التفكير في قاعدة عملائها. فمع انخفاض استهلاك الأسر والشركات التي تستطيع إنتاج الكهرباء ذاتياً، يصبح استقطاب مستهلكين كبار وجدد أكثر أهمية، ومن بينهم مراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي ومناجم العملات الرقمية وغيرها من الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وهكذا فإن المعركة المقبلة ليس بالضرورة بين الطاقة الشمسية والشبكة، وإنما حول قدرة الشبكة على التكيف مع عالم يصبح فيه إنتاج الكهرباء أكثر توزيعاً، وأكثر تقلباً، وأقل ارتباطاً بمحطات التوليد المركزية.