الأتمتة تجتاح منصات العمل الحر و«المهام المؤقتة»

سارة أوكونور

سواء بابتسامة تفاؤل أو برعشة من الخوف، دأب المدافعون عن «اقتصاد المهام المؤقتة» والنقاد على حد سواء، على تصويره باعتباره مستقبل العمل. لكن، هل وضع هذا النموذج العاملين فيه بالفعل على مسار سريع نحو الإزاحة والاستبدال بفعل الأتمتة؟

شهد هذا العام لحظة مواجهة للحقيقة وحساب لمنصات العمل الحر الموجهة لأصحاب الياقات البيضاء، الموظفين والمهنيين، مثل «فايفر» و«أب وورك»، التي تربط الشركات بالمهنيين المستقلين حول العالم لإنجاز مشاريع محددة بدقة مثل كتابة الإعلانات أو التصميم الجرافيك.

وقد تبين أنه من خلال تجزئة الوظائف إلى مهام يتم تأديتها عن بعد، وتجريد المؤسسات من هذا التراكم المعرفي أو الحاجة إلى العلاقات الشخصية، أصبحت هذه الأعمال عرضة للاندثار والاستبدال بالذكاء الاصطناعي بشكل خاص.

وأعلنت منصة «فايفر» عن «تباطؤ واضح في إجمالي حركة المرور والطلب عبر منصتها» خلال الربع الثاني من العام، وفقاً لتصريحات أعدها رئيسها التنفيذي ميكا كوفمان، الذي أرجع هذا التباطؤ جزئياً إلى «التحديثات الأخيرة التي شهدتها نماذج اللغات الكبيرة المختلفة»، مشيراً بقوله: «ببساطة شديدة.. الذكاء الاصطناعي أخذ يؤتمت المهام البسيطة».

في الوقت نفسه، أفادت منصة «أب وورك» بـ «تسارع إقبال العملاء على الذكاء الاصطناعي» خلال الربع الأول، ما «أدى إلى تراجع نشاط العملاء في الفئات المنخفضة.

وتأثرت العقود التي تبلغ قيمتها 500 دولار فأقل». ورغم إعلان كلتا المنصتين عن التحول نحو الأعمال الأعلى قيمة والأقل عرضة للأتمتة، إلا أن المستثمرين لم يقتنعوا بذلك. إذ تراجعت أسهم «فايفر» و«أب وورك» بنسبة 61% و47% على التوالي خلال العام الماضي.

أما في قطاع العمالة الميدانية، أو أصحاب الياقات الزرقاء، فتهدد الأتمتة المادية عدداً من الوظائف التي كان يقوم بها عمال المهام المؤقتة، مثل القيادة وتوصيل الطرود.

وفي يونيو الماضي، حذر رئيس إحدى أكبر مجموعات التجارة الإلكترونية في الصين من أن عمال التوصيل لديه، البالغ عددهم 700 ألف عامل، سيتم استبدالهم بالروبوتات «عاجلاً أم أجلاً».

وفي الولايات المتحدة والصين، يراقب السائقون عبر منصات مثل «أوبر» و«ديدي» وصول السيارات ذاتية القيادة بقلق بالغ. بل إن شركة «أوبر» بدأت في ممارسة الضغط السياسي والتشريعي نيابة عن السائقين، في مفارقة ساخرة لم تخف على السائقين أنفسهم.

حيث تطالب بنشر بطيء للسيارات ذاتية القيادة لتسهيل مرحلة الانتقال، كما تدعو إلى وضع قواعد تلزم منصات نقل الركاب بتطبيق «شبكات هجينة» تجمع بين السيارات ذاتية القيادة والسائقين البشر.

ومن الواضح أن «أوبر» تهدف من هذه الخطوة إلى حماية نموذج أعمالها من الاضطراب، أمام التطبيقات المخصصة حصراً للسيارات ذاتية القيادة. وتعتمد «أوبر» كلياً على كونها منصة وسيطة للربط بين الركاب والسائقين مقابل عمولة.

وإذا نجحت شركات السيارات ذاتية القيادة في إطلاق تطبيقاتها التي توفر رحلات أرخص، سيتم تحييد «أوبر» وإخراجها من السوق.

لكن هذا لا يعني أنها مخطئة حين تحذر من أن سيارات الـ«روبوتاكسي» قد تعني «وظائف أقل للعديد من السائقين على المدى الطويل، ونسبة منهم من يعتمدون على العمل عبر هذه المنصات كشبكة أمان مرنة».

والواقع أن منصات المهام المؤقتة تشكل بالفعل شبكة أمان للأفراد الذين خرجوا من سوق العمل الرسمي أو واجهوا صعوبة في الالتحاق به.

وكشف تقرير صدر عن البنك الدولي في عام 2023 أن عدد العمال المستقلين عبر الإنترنت يتراوح بين 154 مليوناً و435 مليون عامل على مستوى العالم، أو ما يمثل نسبة تراوح بين 4.4% و12.5% من إجمالي القوى العاملة العالمية.

وأشار معدو التقرير إلى أن من ميزات هذا التطور أنه «يساعد في امتصاص صدمات الدخل» و«يعمل كبديل للتأمين ضد البطالة».

وربما تعد الصين المثال الأبرز على الدولة التي عمل فيها «اقتصاد المهام المؤقتة» كماص للصدمات في سوق العمل.

ففي ظل الركود الطويل في قطاع البناء والتشييد والتوسع في أتمتة العمليات التصنيعية، ارتفع عدد العاملين في مجال توصيل الأغذية أو القيادة التشاركية في الصين بواقع 10 ملايين شخص خلال عامين ليصل إلى 53 مليون شخص بحلول عام 2025، وفقاً لتقديرات مركز أبحاث أشكال التوظيف الجديدة الصيني في بكين.

فماذا يحدث إذا تعرض «ماص الصدمات» نفسه لصدمة غير متوقعة؟ ونظراً لعدم وجود رب عمل يمتلك عقد توظيف لهؤلاء العمال، فلا يوجد أحد يفصلهم رسمياً.

لذلك، يتوقع ألا يظهر هذا الأثر على الرادار والإحصاءات الرسمية، في صورة انخفاض عدد المهام الموكلة إليهم وتراجع دخلهم، بخلاف سيناريو فقدان الوظائف المباشر الذي يرصده الاقتصاديون عادة.

ومما يدعم هذه النقطة، أن البيانات المتاحة حتى الآن حول أثر سيارات الـ«روبوتاكسي» على السائقين شحيحة. غير أن دراسة أجراها تطبيق «جريد وايز» المساعد لسائقي النقل التشاركي، تشير إلى أن أجرة الرحلة الواحدة للسائقين في المدن الأمريكية التي انتشرت فيها السيارات ذاتية القيادة قد انخفض بين يوليو 2024 ويوليو 2025 مقارنة بالمتوسط العام على مستوى البلاد.

في الوقت نفسه، تقدم منصة «أب وورك» صورة مصغرة لما يمكن أن تكون عليه هذه المنصات من قسوة عندما يختل التوازن بين العرض والطلب بشكل حاد.

إذ يتوجب على المستقلين على المنصة الآن الدفع مقابل تقديم عروضهم للمشاريع من خلال نظام نقاط تسمى «كونيكتس»؛ كما يمكنهم دفع رسوم إضافية لترقية عروضهم وتصدر قائمة العروض، أو لوضع شارة «متاح الآن» على ملفاتهم الشخصية.

إلا أن المخاطر التي تهدد هذه الفئة من العمال والمنصات لا تعني زوال نموذج العمل الحر بالكامل. فبالفعل، بدأت منصات جديدة بالظهور لتلبية احتياجات أسواق مختلفة، سواء في قطاعات يصعب أتمتتها مثل الرعاية الصحية، أو في مجالات الياقات البيضاء التي يخلق فيها الذكاء الاصطناعي نفسه طلباً جديداً.

ومن أمثلة ذلك شركة «ميركور»، التي تدفع أموالاً للمحامين والصحافيين والمصرفيين لتسخير خبراتهم في ضبط وتسريع كفاءة نماذج الذكاء الاصطناعي للقيام بوظائفهم.

وهو ما يعجل، للمفارقة، بتسريع استبدالهم هم أنفسهم. لكن هذه المنصات والأنشطة الجديدة لن تستوعب بالضرورة نفس الأفراد الذين أُزيحوا من المنصات القديمة.

لم يكن «اقتصاد المهام المؤقتة» يوماً شبكة أمان مثالية، نظراً لأنه يترك العاملين بلا حقوق وظيفية أو حماية قانونية، وبالنزر اليسير من الدعم الحكومي في مجالات التقاعد والمزايا الاجتماعية.

إلا أن هناك خطراً جديداً يلوح في الأفق اليوم، فالروبوتات باتت تقرض هذه الشبكة بهدوء وتحدث فيها ثقوباً متزايدة، وقد لا ينتبه صناع السياسات إلى ذلك إلا بعد أن تنهار الشبكة تماماً ويتساقط الجميع.