كلير باريت
إن تقليص الضمانات الممنوحة لدخل المتقاعدين ليس سجالاً يرغب أي سياسي في خوضه، غير أنه نقاش تحتاجه المملكة المتحدة بشكل ملح باسم العدالة بين الأجيال.
فمنذ عام 2011، يضمن نظام «القفل الثلاثي» زيادة معاشات التقاعد الحكومية في أبريل من كل عام بالاعتماد على النسبة الأعلى بين ثلاثة معايير: التضخم، أو متوسط نمو الأجور، أو نسبة ثابتة تبلغ 2.5 %.
ورغم أن هذا النظام تم إقراره في الأصل لمنع تآكل القدرة الشرائية للمتقاعدين أمام تكاليف المعيشة وأجور العاملين، فإن شيخوخة السكان في بريطانيا جعلت هذا الالتزام عبئاً مالياً باهظ التكلفة على نحو متزايد.
ومع الارتفاع المتواصل لعوائد السندات الذي يلقي بظلاله القاتمة على الميزانية العامة المقررة في 28 أكتوبر، تواجه حكومة أندي بيرنهام ضغوطاً متزايدة لتقليص الإنفاق الاجتماعي، خاصة أن معاشات التقاعد الحكومية أصبحت تستحوذ وحدها على 45 % من إجمالي مخصصات الرعاية الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، يرى عدد متزايد من الاقتصاديين أن تقليص سخاء «القفل الثلاثي» إلى «قفل ثنائي» أو حتى ربطه معيارياً بالأجور فقط يعد خطوة منطقية وضرورية.
غير أن المشكلة تكمن في أن الإقدام على هذه الخطوة يمثل انتحاراً سياسياً؛ إذ لم يجرؤ أي حزب حتى الآن على المساس به. فكيف لرئيس وزراء لا يملك تفويضاً انتخابياً شخصياً.
وتعهد بـ«إعادة الأمل» وتأمين ولاية ثانية لحزب العمال، أن يخاطر بذلك؟ إن كبار السن يشكلون كتلة تصويتية حاسمة.
ولا يزال الغضب الناجم عن تقليص «بدل التدفئة الشتوي» للمتقاعدين شاهداً على التراجع المحرج الذي أُجبر عليه وزير الخزانة السابق.
إلا أن جون هيلي، الساكن الجديد لمقر وزارة الخزانة، داونينج ستريت رقم 11، لا يمكنه تجاهل صيحات الغضب المماثلة الصادرة عن العمال الشباب، الذين يتزايد استياؤهم من التمويل السخي والمستمر لـ«القفل الثلاثي» عبر الاقتطاعات الضريبية المباشرة من أجورهم.
فهذه الظاهرة، التي أطلقت عليها اسم «أزمة تكلفة العمل»، تعني أن الخريجين الشباب الطموحين ينتهي بهم المطاف إلى دفع اقتطاعات ضريبية تصل إلى 71 بنساً عن كل جنيه يتقاضونه في الشريحة العليا من الدخل.
وتتضاعف وطأة هذه المعدلات الضريبية الخانقة بالشعور بالإجحاف؛ إذ يمول هؤلاء الشباب نظام تقاعد يستبعد جداً أن يظل قائماً عندما يبلغون هم أنفسهم سن التقاعد.
ويتوقع معهد الدراسات المالية أن تؤدي الاستمرارية في تطبيق «القفل الثلاثي» إلى إضافة ما يصل إلى 40 مليار جنيه إسترليني سنوياً إلى فاتورة الرعاية الاجتماعية بحلول عام 2050.
وأمام هذه الأرقام والمعطيات الديموغرافية، لا غرابة في أن يرى كثيرون أن المعاش التقاعدي الحكومي نفسه سيتحول من استحقاق عام ليتم ربطه مستقبلاً بمستوى دخل المتقاعد وحاجته المالية.
فضلاً عن ذلك، كم ستكون سن التقاعد حينها؟ وفي ظل قيام السياسيين بتأجيل الأزمة وترحيل المشاكل، فإن الخاسر الأكبر في النهاية سيكون متقاعدي المستقبل.
لا يمكن لأحد أن ينكر أن فقر كبار السن يشكل قضية خطيرة، لكن الزيادات المضمونة في معاشات التقاعد الحكومية يستفيد منها أيضاً ميسورو الحال ممن يمتلكون أصولاً عقارية ثقيلة وثروات في صناديق التقاعد الخاصة. ونحو ثلاثة أرباع المتقاعدين يمتلكون منازلهم، ومعظمهم دون أي رهون عقارية.
حيث استفادوا بشكل هائل من الطفرة الكبيرة في أسعار العقارات، في الوقت الذي أدى فيه ركود نمو الأجور إلى تدمير قدرة الشباب على شراء المساكن.
ويكفي النظر إلى أسلوب المداراة الذي اعتمده المتعاقبون على السلطة تجاه «القفل الثلاثي»، بحرصهم على عدم فرض ضريبة على معاش التقاعد الحكومي.
بالتوازي مع إقرار تعديلات مجحفة على شروط تسديد القروض الطلابية، أُلقي بها على كاهل الشباب دون نقاش جدي أو اعتذار.
وخلال لقائي بالقراء في مهرجان «فاينانشال تايمز» لنهاية الأسبوع الماضي، لمست كيف تحول شعور الأجيال الشابة من فقدان الأمل تجاه الضغوط المالية على مستقبلهم إلى حالة من الغضب العارم.
لكن ما لم أكن أتوقعه هو حجم التعاطف والدعم الذي أظهره كبار السن أنفسهم، الذين ينتابهم قلق بالغ على الآفاق المالية لأبنائهم وأحفادهم.
ورغم أن «تمويل الوالدين»، أو ما يعرف ببنك الأم والأب، قد يساعد على توفير الدفعات الأولى لشراء المنازل، فإن هذا الخيار ليس متاحاً لجميع الشباب.
فضلاً عن أن الوالدين لا يستطيعان وحدهما خلق مستقبل أكثر إشراقاً للجيل القادم. ومع ترقب مخرجات «مراجعة ميلبورن»، يظل مستقبل نحو مليون شاب ممن يقعون في خانة «خارج التعليم والعمل والتدريب» معلقاً في الفضاء.
وفي هذا الصدد، دعت غرف التجارة البريطانية هذا الأسبوع الحكومة إلى معالجة أزمة بطالة الشباب عبر استبدال «القفل الثلاثي» بربط المعاشات بمعدل التضخم فحسب، واستغلال الوفر المالي الناتج عن ذلك في خفض اشتراكات التأمين الوطني المترتبة على أصحاب العمل لمن هم دون سن الخامسة والعشرين.
فهل توفر الرغبة الشعبية في إعادة تعديل الكفة لصالح دعم الأجيال الشابة غطاء سياسياً لوزير الخزانة ورئيس الوزراء لفتح ملف مستقبل «القفل الثلاثي» أم أن معالجة أزمة التمويل الحادة في قطاع الرعاية الاجتماعية، التي تقض مضجع الكثيرين عند التقاعد، قد تشكل مخرجاً وتعويضاً مقنعاً؟
لا شك في أن كبار السن من القراء سيعترضون بحجة أنهم عرضة بالفعل لضغوط مالية ناتجة عن الضرائب العقارية المقترحة.
فضلاً عن إخضاع مدخرات التقاعد غير المنفقة لضريبة التركات اعتباراً من أبريل المقبل، ناهيك عن أن عدد المتقاعدين الذين يدفعون معدلات ضريبية أعلى أو إضافية على الدخل قد تضاعف خلال السنوات الخمس الماضية.
غير أن الجميع يعتمد في نهاية المطاف على الأجيال الشابة لقيادة المحرك الاقتصادي للمستقبل وسداد الضرائب التي تكفل استمرار شبكة الأمان لمعاشات التقاعد.
ومن ثم، لا يمكن تجاهل هذه الأجيال في الميزانية المقبلة. ففي لحظة ما، لا بد أن يكف «القفل الثلاثي» عن كونه معضلة مؤجلة تتعاقب عليها الحكومات المقبلة.