وتعد التدخلات الثنائية في سوق العملات أمراً نادر الحدوث للغاية، خاصة عندما يتعلق الأمر بعملة رئيسة وثقيلة مثل الين، الذي يحتل المرتبة الثالثة بين أكثر العملات تداولاً على مستوى العالم.
ورغم أن المبالغ المستخدمة كانت ضئيلة نسبياً، في حدود 500 مليون دولار، وهو مبلغ ضخم في الحياة اليومية لكنه يُعد مجرد فكة ضئيلة في أسواق العملات العالمية الفسيحة، فإن ما افتقره هذا التدخل من حيث الحجم عوضه تماماً من حيث تأثير الصدمة.
غير أن وزير الخزانة قابل خطاباتها بازدراء واصفاً إياها بـ«السطحية والادعائية»، بل وعرض عليها تقديم درس تعليمي مبسط في «أساسيات سوق الصرف الأجنبي للمبتدئين».
رغم ذلك، حتى المحللون المختصون في خفايا السوق تساءلوا عن مدى جدوى هذا الجهد المشترك لدعم الين دون تحول ملموس ونوعي نحو رفع أسعار الفائدة اليابانية بمعدلات أعلى بكثير.
وكل تحرك صعودي للعملة اليابانية يثير موجة من الترقب والتكهنات حول ما إذا كانت الخزانة الأمريكية ستتدخل مجدداً، سواء أكان ذلك جنباً إلى جنب مع السلطات اليابانية أم بمفردها.
وقال تصريحه الشهير: «أنا صاحب الكازينو الآن، ويمكنكم المراهنة ضدي إن أردتم». وأجزم أن هذه العبارة ستظل تلاحقه طوال حياته، على غرار تصريح ماريو دراجي الشهير «سنفعل كل ما يلزم»، ولكن بنكهة إضافية من الاستعراض والتباهي الأمريكي.
فكما أوضح في رده على وارن، كان أحد الدوافع الرئيسة لتدخله لصالح الين هو مخاوف لجوء اليابان إلى «التصفية القسرية» لحيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية لدعم عملتها.
«وهو أمر من شأنه أن يزعزع استقرار الأسواق العالمية، ويرفع في نهاية المطاف تكاليف الاقتراض على العائلات والشركات الأمريكية».
فقد شهدت أسعار هذه السندات انخفاضاً حاداً مؤخراً، ما دفع عائدها للارتفاع بنحو 0.2 نقطة مئوية، ليتجاوز معدل الاقتراض المرجعي 4.95 % للمرة الأولى منذ ثلاثة أعوام.
وإذا ما كسر العائد حاجز 5 % بشكل ملموس، وهو احتمال لا يزال قائماً، فستكون هذه المرة الأولى التي يصل فيها إلى هذا المستوى منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية عام 2007.
كما استقرت عوائد السندات لأجل 30 عاماً عند مستويات مرتفعة تتجاوز 5.3 %، وهي الأعلى أيضاً منذ الحقبة التي تسبق الأزمة.
ومن أبرزها القفزة الجديدة في أسعار النفط. إذ عادت أسعار النفط الأمريكي للتداول فوق مستوى 100 دولار للبرميل، بينما يباع وقود الديزل في المحطات بنحو 6 دولارات للجالون، ما يعزز ضغوط التضخم المتجذرة أصلاً، ويستدعي بالتبعية الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة.
فقد تعهد الرئيس دونالد ترامب هذا الأسبوع بتقديم «منحة أرباح» قدرها 5000 دولار لكل أمريكي في حال فوز الحزب الجمهوري في انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر المقبل.
وهي خطوة قدرت لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة تكلفتها بنحو 1.2 تريليون دولار، أي ما يزيد على 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي. وحتى لو لم يجد هذا المقترح طريقه للتنفيذ، فإنه لا يعكس بأي حال التزاماً بالانضباط المالي.
إن التدخل في سوق الين قد نجح بالفعل، كما أراد بيسنت. إلا أن السياسات الخارجية والداخلية لترامب تسير في الاتجاه المعاكس وتضغط سلباً على السندات الأمريكية.
وبينما يستعرض بيسنت قوته ويتحدى المضاربين معلناً أنه «صاحب الكازينو الذي لا يخسر»، ربما يجدر به أن يتذكر أن كازينوهات ترامب نفسها قد انتهى بها المطاف إلى الإفلاس.

