توزيعات ترامب نموذج سيئ للإدارة المالية

جون فولي
يحب دونالد ترامب تشبيه الاقتصاد الأمريكي بالشركات التجارية؛ وكرر هذا التشبيه مجدداً هذا الأسبوع عندما وعد بدفع «توزيعات أرباح» بقيمة 5000 دولار لكل أمريكي بالغ إذا فاز حزبه في انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر المقبل.

ولنضع جانباً الاستغراب، والاعتبارات الأخلاقية، لدقيقة واحدة، ولنتساءل: لو كانت أمريكا شركة حقاً، فهل يعقل منطقياً تقديم منحة نقدية إجمالية بقيمة 1.2 تريليون دولار؟

إن الاعتراض الأبرز على هذا المقترح يتلخص في عدم امتلاك الولايات المتحدة أي سيولة نقدية فائضة لدفع مثل هذه المبالغ.

إذ يتوقع أن يتجاوز الإنفاق الحكومي الإيرادات بنحو 1.8 تريليون دولار خلال العام المقبل.

وإن ادعاء الرئيس ترامب بأن «بلادنا تجني أموالاً طائلة» ليس خاطئاً بالكامل، بعدما سجلت الإيرادات المالية مستوى قياسياً بلغ 5.2 تريليونات دولار العام الماضي، غير أنه لا توجد أرباح صافية تذكر، وهو وضع قائم منذ عام 2001. وبناء على ذلك، فإن هذه التوزيعات ستدفع اقتراضاً عبر تراكم الديون.

وفي عالم الشركات، هذا التوجه ليس أمراً غير مسبوق؛ إذ يضم مؤشر «إس آند بي 500» نحو 47 شركة حققت تدفقات نقدية حرة سالبة خلال العام الماضي، وفقاً لبيانات مؤسسة «إس آند بي كابيتال آي كيو»، وقامت 40 شركة منها بدفع توزيعات أرباح بالفعل.

كما يتوقع أن تعيد شركة «ميتا بلافورمز» «مالكة فيسبوك» نحو 15 مليار دولار للمساهمين خلال العام المقبل، بحسب بيانات مجموعة لندن لبورصة الأوراق المالية، في وقت تتراجع فيه تدفقاتها النقدية إلى النطاق الأحمر بعجز يقدر بـ22 مليار دولار.

وقد قادت سياسة توزيع الأرباح بالدين العديد من الشركات المملوكة لشركات الملكية الخاصة إلى الإفلاس، غير أن الولايات المتحدة لا تواجه خطراً من هذا النوع بالطبع.

يبقى السؤال التالي: هل لدى الشركة فرص استثمارية مجدية لإنفاق أموالها؟ فإن لم تتوفر، يصبح القرار الحكيم هو إعادة هذه السيولة للمساهمين.

وتعد التوزيعات الاستثنائية لشركة «مايكروسوفت» لمرة واحدة بقيمة 32 مليار دولار في عام 2004 مثالاً بارزاً على ذلك، كما قدمت «فودافون» توزيعات استثنائية بقيمة 24 مليار دولار في عام 2014، ووزعت «بي إتش بي» 5.2 مليارات دولار في عام 2019، وذلك بعد أن جمعت الشركتان سيولة نقدية ضخمة من صفقات تخارج ومبيعات أصول كبيرة.

إن إعادة هذه الأموال للمواطنين تتيح للأفراد أنفسهم قرار إنفاقها أو ادخارها.

ولن نعدم وجود أمريكيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري يرون أنهم أكثر كفاءة في إدارة مبلغ 5000 دولار من الحكومة الحالية.

إذ تظهر بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن ما يقرب من 40 في المئة من الأمريكيين يفتقرون للسيولة النقدية الكافية لمواجهة حالات الطوارئ التي تتطلب 400 دولار، بينما يبلغ متوسط ديون بطاقات الائتمان على المقترض الأمريكي نحو 6600 دولار.

غير أن الولايات المتحدة بحاجة ماسة ومؤكدة إلى الاستثمار؛ فالبنية التحتية تعاني وضعاً يرثى له، ومخرجات الرعاية الصحية متدنية ومحبطة مقارنة بالدول الغنية الأخرى.

علاوة على ذلك، يواجه رئيس الدولة معضلة لا يعرفها المديرون التنفيذيون، فأي مشروع استثماري ستنفذه الدولة سينفع فئة من المواطنين دون غيرهم.

كما أنه لو لكن لو كانت أمريكا شركة تجارية، فلن يزعم أي رئيس تنفيذي أنها تفتقر إلى مشاريع مستقبلية مربحة وواعدة، وبالتالي يقوم بتوزيع الأرباح.

فضلاً عن ذلك، فإن توزيعات ترامب ستعرض الإدارة الأمريكية لفخ شائك تسقط فيه العديد من الشركات: بمجرد أن تبدأ التوزيعات، يصبح من الصعب للغاية التوقف عنها.

وسواء تعلق الأمر بتوزيعات الأرباح النقدية أو برامج إعادة شراء الأسهم، فإن المستثمرين والمحللين سرعان ما يطالبون بالمزيد؛ وكبح جماح هذه المدفوعات قد يؤدي إلى هبوط حاد في أسعار الأسهم.

وإذا نفذ ترامب ما وعد به، فقد تصبح التوزيعات السياسية عادة يصعب الإقلاع عنها، تماماً كالتوزيعات المالية.