بقلم: كايرو ماثيبولا
في تسعينيات القرن الماضي، ساد إحساس عام بأن أفريقيا تقف على أعتاب مرحلة من النمو الواعد، وبأنها باتت مهيأة لاستقطاب الاستثمارات الدولية والانطلاق نحو مستقبل مغاير تماماً.
وهي الحقبة التي أطلقت عليها مجلة «تايم» اسم «صعود أفريقيا». غير أن إخفاقات العقود الثنائية التالية أججت حالة من الحنين إلى الماضي عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً بين شباب جنوب أفريقيا الذين ابتكروا مصطلح «اقتصاد أمبيكي»؛ إذ يتطلع هؤلاء بشغف إلى حقبة كان فيها اقتصاد بلادهم يسجل نمواً مستقراً بنسبة 4 % سنوياً، في وقت يجدون فيه أنفسهم اليوم في مواجهة واقع اقتصادي يقل كثيراً عن سقف توقعاتهم للحياة التي يطمحون إليها.
وفي نيجيريا، برزت مشاعر مماثلة لدى فئة الشباب الذين يحنون بدورهم إلى نيجيريا الأمس، وتحديداً تحت قيادة أولوسيجون أوباسانجو خلال الفترة من 1999 إلى 2007. ويبدي هؤلاء سخطاً واضحاً تجاه كبار جيل الألفية والجيل «إكس»، إذ يرون فيهم فئات محظوظة استفادت من حقبة نمو غابرة. وباعتبارهما أكبر اقتصادين في جنوب الصحراء الأفريقية، تقدم جنوب أفريقيا ونيجيريا نموذجاً دراسياً دقيقاً لفهم دوافع الغضب لدى الجيل «زد».
لقد بلغ أبناء الجيل «إكس» في جنوب أفريقيا سن النضج في ظل اقتصاد شهد تراجعاً في معدلات البطالة، وطفرة أعقبت إنهاء نظام الفصل العنصري، ما حفز تحقيق نمو اقتصادي مرتفع، وزيادة قدرات الدولة في توفير وظائف عدة للطبقة الوسطى.
في المقابل، تخرج أبناء الجيل «زد» ليجدوا أنفسهم في مواجهة اقتصاد يعاني من ركود شبه تام وحقبة من التقشف، أصبحت فيها أمور مثل شراء سيارة جديدة، أو استئجار شقة قرب مقر العمل، أو حتى قضاء عطلة محلية، طموحات بعيدة المنال.
ومن الغريب حقاً أن نرى شباباً ولدوا في ظل الحرية يحسدون من نشأوا في كنف أنظمة قمعية أو استبدادية على ما حققوه من مكاسب. إلا أن هذا الحنين الاقتصادي إلى الماضي ينبع من مزيج يجمع بين الحرمان النسبي والحرمان الموضوعي. فمن ناحية، هناك مؤشرات لا تقبل الشك على عمق الصعوبات الاقتصادية في جنوب أفريقيا ونيجيريا.
ومن ناحية أخرى، تحققت مكتسبات كبيرة في البنية التحتية وجودة الحياة، شملت تحسن معدلات القرائية ومتوسط العمر المتوقع. وهي مكتسبات غالباً ما يتم إغفالها خلال النقاشات المحتدمة حول «أي الأجيال كان حظه أفضل».
وغالباً ما يستند مفهوم «الدولة النامية» إلى افتراض يرى أن التقدم الاقتصادي الكلي يسير في مسار خطي نحو النمو والازدهار، حيث تعكس زيادة الناتج المحلي الإجمالي والمؤشرات الاقتصادية الأخرى تحسناً موازياً في مستوى جودة الحياة عموماً.
وفي هذا السياق، أشار أكنوومي أديسينا، الرئيس السابق للبنك الأفريقي للتنمية، في العام الماضي إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في نيجيريا بات أسوأ مما كان عليه في عام 1960.
غير أن هذا الطرح يغفل التطور الحاصل في فرص الحصول على الرعاية الصحية والتعليم، حتى وإن كانت جودة هذه الخدمات، خصوصاً في المرحلة الجامعية، تخضع لضغوط مستمرة جراء نقص التمويل، وعجز الكوادر التدريسية، والإضرابات المتكررة.
أما في جنوب أفريقيا، ورغم التحسن الإجمالي في نصيب الفرد من الناتج المحلي، إلا أنه شهد تراجعاً عن ذروته المسجلة عام 2011. إلا أن الأهم من هذه التقلبات في الأرقام هو المزاج العام والتصور السائد لدى الأفراد الذين يخوضون غمار هذا الواقع الاقتصادي.
وتشير الاحتجاجات المناهضة للحكومات في مناطق متفرقة من أفريقيا أخيراً إلى تفاقم أزمة الشرعية.
فمن حركة «إنهاء سارس» المناهضة لتجاوزات الشرطة في نيجيريا، إلى حراك «إسقاط الرسوم المدرسية» في جنوب أفريقيا، وصولاً إلى التظاهرات الأخيرة في كينيا، دفع الاستياء المتزايد المحتجين للمطالبة بإنهاء الفساد ومحاسبة المسؤولين عن عقود من سوء الإدارة.
ويكمن وراء هذا الغضب شعور بأن الجيل الحالي يدفع ثمن أفعال الجيل السابق، أو إخفاقاته، خلال توليه السلطة.
وفي جنوب أفريقيا، التي تسجل أحد أعلى معدلات بطالة الشباب في العالم، تم توظيف هذا الغضب وتحويله إلى سلوكيات معادية للأجانب؛ إذ جعل العديد من المواطنين من المهاجرين كبش فداء، معتبرين أن الأجانب يستحوذون على فرص عمل عجز الاقتصاد ذاته عن توفيرها.
وفي نيجيريا، حيث تتجاوز نسبة السكان دون سن الخامسة والعشرين 60 %، أدى غياب الحراك الاجتماعي إلى تغذية تصاعد أعمال القرصنة والإرهاب، وجرائم قطع الطرق، والتمرد المسلح، والعنف المجتمعي.
وإن كانت إحباطات الجيل «زد» وجيل الألفية لها ما يبررها، إلا أن الناخبين الشباب غالباً ما يتفاعلون مع ضعف الحوكمة بانتخاب قادة يعدون بحلول فورية ومؤقتة للمشكلات، بدلاً من معالجة القضايا الجوهرية الكامنة وراءها.
كان النمو الاقتصادي الذي شهدته سنوات حكم أمبيكي وأوباسانجو مدفوعاً بصفة رئيسة بالطفرات السعرية في النفط والسلع الأساسية.
رغم ذلك، وبعد مرور نحو 20 عاماً، لا يزال كلا البلدين يعانيان مستويات بطالة مرتفعة، بينما يلقي تقلب أسعار النفط والبلاتين بظلاله على الموازين التجارية واستقرار أسعار الصرف، نظراً لاعتماد الإيرادات الحكومية الكبير على هذه القطاعات.
ويسلط هذا الواقع الضوء على استمرار غياب التصنيع الكامل والتنوع الاقتصادي في كلا البلدين، وإن كانت مصفاة «دانجوتي» الجديدة في نيجيريا قد بدأت في تقليل الاعتماد التاريخي للبلاد على الوقود المكرر المستورد. ولو اقترن الأداء الاقتصادي الجيد في حقبتي التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بمؤسسات قوية وسعيٍ نحو التصنيع، لربما اتخذت الأمور مساراً مختلفاً.
وينبغي أن تدفع فترات التراجع الأجيالَ الشابة إلى إعادة تقييم النماذج التي تعتمدها أفريقيا في مسيرتها نحو التنمية.