الصورة الرائجة حول العمالة في أوروبا لا تعكس الواقع

كريس جايلز
الصورة الرائجة حول العمالة في أوروبا لا تعكس الواقع ، وأنا ألقي باللوم على أنجيلا ميركل في هذا الأمر. 

ففي أوائل العقد الماضي، كانت المستشارة الألمانية السابقة مغرمة بترديد أن أوروبا تستحوذ على 7 % من تعداد سكان الكوكب، و25 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و50 % من إجمالي الإنفاق الاجتماعي في العالم.وكانت ميركل تستعرض هذه الإحصاءات للتحذير من تأثير تضخم دولة الرفاه على التنافسية الأوروبية.

ومنذ ذلك الحين، دأب جيش من فلاسفة المقاهي على اتهام الأوروبيين بأنهم كسالى يتهربون من العمل، ويعتمدون بشكل مشين على إعانات الرعاية الاجتماعية بدلاً من كسب عيشهم من خلال العمل الجاد.

ووفقاً لهذه الرواية السطحية، يعد الكسل المسبب الرئيس للتباطؤ الاقتصادي في أوروبا، ولن تستفيق «القارة العجوز» إلا إذا عصفت بها أزمة حقيقية حادة. غير أن هذا الطرح، بطبيعة الحال، لا يعدو كونه هراءً ينطوي على انتقاص وتحقير، بينما تبدو الحقيقة الواقعية أشد إثارة واهتماماً.

ولكي تكون أنظمة الرعاية الاجتماعية هي السبب وراء مشكلة النمو في أوروبا، لا بد أن تتحقق الشروط التالية: أن تكون مستويات الرعاية الاجتماعية في أوروبا أعلى منها في الاقتصادات المتقدمة المماثلة. وأن تضم أوروبا أعداداً كبيرة من العاطلين عن العمل أو غير المنتجين.

وأن تكون معدلات البطالة هذه أعلى في دول شمال أوروبا التي تتمتع بأنظمة رعاية اجتماعية أكثر سخاءً. وأخيراً، لا بد أن تكون المشكلة في تفاقم مستمر، نظراً لأن الفجوة في معدلات النمو بين أوروبا والولايات المتحدة آخذة في الاتساع.

والشرط الأول من هذه الشروط متحقق بالفعل إلى حد كبير؛ فقد نما الإنفاق الاجتماعي بسرعة في جميع الاقتصادات المتقدمة، لكنه يظل أعلى في أوروبا. غير أن الفارق بين أوروبا والولايات المتحدة أقل مما يعتقد غالباً، وذلك لأن الإنفاق الصحي في الولايات المتحدة، الذي يتسم بعدم الكفاءة، يتجاوز بمراحل نظيره في معظم الدول الأوروبية، وهو ما يعادل أثر شبكات الأمان الاجتماعي الأكثر سخاءً في القارة العجوز.

ولكن عند الانتقال إلى تقييم معدلات التوظيف والتشغيل، يتهاوى هذا الطرح تماماً. وسواء اعتمدنا على بيانات الاتحاد الأوروبي أو بيانات منطقة اليورو، فإن البالغين في سن الذروة الإنتاجية بين 25 و54 عاماً، أكثر إقبالاً على العمل في أوروبا مقارنة بنظرائهم في الولايات المتحدة. كما تسجل فئة العمال كبار السن، بين 55 و64 عاماً، معدلات تشغيل أعلى في أوروبا.

وصحيح أن الشباب بين 15 و24 عاماً يحظون بفرص عمل أكبر في الولايات المتحدة، إلا أن ذلك يعود إلى قضاء الشباب الأوروبيين سنوات أطول في التعليم والتحصيل الأكاديمي. وفي الواقع، فإن نسبة الشباب غير المنخرطين في التعليم أو التوظيف أو التدريب تعد أعلى في الولايات المتحدة منها في أوروبا، ما يؤكد أن شبكات الرفاه الاجتماعي لا تحول دون انخراط المواطنين في سوق العمل.

فضلاً عن ذلك، تسجل دول شمال أوروبا، وهي الأكثر سخاءً في برامج الرفاه الاجتماعي، معدلات تشغيل أعلى مقارنة بدول الجنوب، رغم وجود تقارب ملموس في الأداء داخل منطقة اليورو، حيث شهدت إسبانيا على وجه الخصوص تحسينات سريعة وملحوظة في معدلات التوظيف.

والأهم من كل ما سبق هو أن معدلات التوظيف الأوروبية شهدت قفزات هائلة وتجاوزت نظيرتها الأمريكية، بعد أن كانت أدنى منها بكثير مع مطلع القرن الحالي. من ثم، لا يمكن الإلقاء باللائمة على برامج الرفاه الاجتماعي لتفسير ضعف أداء النمو الأوروبي. بل إن ما حقق هذا التحول هو الإصلاح الاقتصادي الثابت والمستمر في مجالات أنظمة المعاشات التقاعدية وأسواق العمل، وهي إصلاحات تمت في معظمها خارج النطاق التشريعي للاتحاد الأوروبي.

ومقارنة بالولايات المتحدة، نجحت أوروبا في زيادة معدلات تشغيل النساء في سن الذروة، وعالجت معضلة التقاعد المبكر التي عانت منها في تسعينيات القرن الماضي دون إلحاق أي ضرر بفرص توظيف الشباب. وقد كان هذا نجاحاً للإصلاحات الهادئة، وتحسين الحوافز، والاستفادة من تجارب الاقتصادات الأكثر نجاحاً، تماماً كما نصت عليه استراتيجية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للوظائف لعام 1995.

ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات على تباطؤ هذا النجاح في سوق العمل الأوروبية، ما يعني أن هذه المكاسب لا تزال قادرة على الاستمرار وتحقيق المزيد. ولعل أفضل دليل على أهمية الإصلاح التدريجي والمتناسق هو تراجع معدلات التوظيف في فرنسا مقارنة ببقية دول القارة، نتيجة فشلها المتكرر في رفع سن التقاعد، وإن كانت فرنسا قد تمكنت من اللحاق بمعدلات التوظيف الأمريكية بين العمال كبار السن.

وعند البحث عن تفسيرات لضعف النمو أو التساؤل حول الدول الأكثر عرضة لمخاطر تتعلق باستدامة الديون، فمن الضروري فحص الاقتصادات كما هي في الواقع، بدلاً من الركون إلى صور نمطية سطحية ووهمية. إن ما تحتاجه «القارة العجوز» هو إصلاحات مدروسة ومستمرة تعزز الكفاءة وتجنبها الوقوع في أزمات مدمرة. ولا داعي للتشاؤم؛ فالمعجزة التي حققتها سوق العمل الأوروبية تثبت أن هذا المسار قابل للنجاح.