الفائض التجاري الصيني يتخذ بُعداً جيوسياسياً

ألان بيتي
يتطلب الأمر ظروفاً استثنائية كي تدفع مجموعة من الدول للاصطفاف خلف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، غير أن اختلالات الحساب الجاري الناتجة عن الفائض الصيني والمنافسة الشرسة من الشركات الصينية قد نجحت في تحقيق ذلك بالفعل.

ففي اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين الأسبوع الماضي، ساد توافق واسع بشأن الاختلالات التجارية والمخاطر التي تفرضها سياسات «لا تعتمد آليات السوق» على الاقتصاد العالمي.

وأكدت هذه الحكومات أن عودة الصين في السنوات الأخيرة إلى نموذج نمو يعتمد على التصدير بشراسة أصبح يفرغ قطاعات التصنيعية من مضمونها.

غير أن معالجة هذا الملف تصطدم بعقبتين رئيسيتين؛ تتمثل الأولى في الرفض الصيني واستخدام بكين حق «الفيتو» لعرقلة صدور بيان ختامي عن المجموعة في هذا الشأن.

أما العقبة الثانية، فتكمن في التداخل المتزايد بين قضيتين متباينتين: اختلالات الاقتصاد الكلي من جهة، وسعي الصين لتحقيق التفوق التكنولوجي من جهة أخرى.

وتبرز الإشكالية هنا في أن الشركاء التجاريين لبكين يحاولون معالجة الاختلالات الاقتصادية بأدوات لا تصلح إلا للمنافسة التكنولوجية، عبر تبني سياسات صناعية تفتقر للتنسيق وتعجز في مجملها عن إحداث أي أثر ملموس.

وبسبب هذا التوظيف الخاطئ للأدوات وغياب التنسيق الدولي، تفشل هذه التدابير في تقليل العجز التجاري أو إحداث أي تغيير ملموس.

وطالما اشتكت الدول الغنية بوجه عام، والولايات المتحدة بوجه خاص، من الاختلالات والمنافسة غير العادلة من جانب الصين منذ أوائل القرن الحادي والعشرين.

إلا أنه مع بداية عقد العشرينيات، أدى انهيار القطاع العقاري الصيني وضعف الطلب المحلي إلى اندفاع بكين بنهم أكبر نحو النمو القائم على التصدير.

وكما يشير ديفيد لوبين، الباحث في مركز «تشاثام هاوس»، فإن نمو الصادرات الصينية كثيراً ما يكون لفترة مؤقتة، قبل أن تتقلص الفجوة عادة مع تعافي الطلب المحلي الصيني واستيعابه لمزيد من الإنتاج.

لكن منذ بداية العشرينيات، شهدت الصادرات الصينية ارتفاعاً كبيراً ومستمراً مقارنة بنمو الواردات العالمية.

ورغم أن نائب رئيس الوزراء الصيني يتحدث باستمرار عن تحفيز الاستهلاك المحلي، فإن البوصلة الحكومية تحولت نحو الاستثمار في البنية التحتية وتعزيز الابتكار التكنولوجي الموجه للإنتاج بدلاً من دعم القدرة الشرائية.

ومع أن السبب الجذري لهذه الاختلالات يرجع لطبيعة الاقتصاد الكلي، إلا أنه بات مرتبطاً بحملة شرسة تسعى للسيطرة على الأسواق العالمية في مجالات السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات وغيرها.

ويلفت «لوبين» إلى أن الصين أصبحت ترى الفوائض التجارية مكملاً أساسياً لسيطرتها على سلاسل التوريد العالمية ومفاصل التكنولوجيا الحيوية.

وصحيح أنه ليس بالضرورة امتلاك فوائض مالية لاحتكار التكنولوجيا، فقد تصدرت الولايات المتحدة الريادة التكنولوجية العالمية لعقود بينما كانت تعاني عجزاً تجارياً، إلا أن هذا الاعتقاد يبدو هو السائد في بكين.

ومما يدعو للحنين إلى الماضي أن المصطلح الذي حال دون تحقيق التوافق الأسبوع الماضي كان الإشارة إلى السياسات الاقتصادية «غير القائمة على آليات السوق».

فقبل عقد من الزمان، شهدت منظمة التجارة العالمية معركة دبلوماسية وقانونية شرسة وطويلة الأمد حول تصنيف الصين كـ «اقتصاد غير قائم على آليات السوق»، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن هذا التصنيف كان يسهل على سلطات مثل الاتحاد الأوروبي فرض رسوم لحماية أسواقها ضد الإغراق.

وفي نهاية المطاف، ألغى الاتحاد الأوروبي ببساطة التمييز بين اقتصادات السوق والاقتصادات غير القائمة عليه في قانون الدفاع التجاري الخاص به.

لقد كان حلاً ذكياً، لكنه لم يفعل شيئاً سوى تأكيد الضبابية التي تتسم بها محاولات تصنيف الصين واستخدام أدوات التجارة التقليدية ضدها.

وفي الأسبوع الماضي، كرر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسينت عبارة كان قد استخدمها سابقاً حين قال: إن شركة «بي واي دي» الصينية تصنع «أفضل سيارة بقيمة 70 ألف دولار يمكنك شراؤها بـ 35 ألف دولار فقط».

ورغم أنها صياغة طريفة، إلا أن تقديرات شركة «روديوم جروب» الاستشارية تشير إلى أن الدعم الحكومي يسهم بنحو 5% فقط من الميزة السعرية لشركة «بي واي دي»، مقارنة بسيارات «تيسلا» المصنوعة في الصين.

بينما يعود الجزء الأكبر إلى قاعدة تكلفة منخفضة حقاً صقلت عبر سنوات من المنافسة المحلية الشرسة؛ ومن ثم، فإن مجرد استخدام الرسوم الجمركية لتصحيح ذلك التشوه لن يحقق فارقاً جوهرياً.

ويدعي الاتحاد الأوروبي أنه يستعد الآن لمواجهة القوة الصناعية الصينية.

وكان يقال سابقاً إن مصنع سيارات «فولكس فاجن»، كان يحدد معالم السياسة التجارية للتكتل، والذي كان بشكل أساسي يؤيد التجارة الحرة بوجه عام.

غير أن الشركة تنزف الوظائف الآن وتطالب باتخاذ إجراءات تجارية ضد الصين.

بالإضافة إلى ذلك، يواجه الاتحاد الأوروبي خصماً لا يمانع اللعب بخشونة.

إذ أعلنت بكين أخيراً أنها ستمنع التكتل الأوروبي من جمع المعلومات داخل الأراضي الصينية لاستخدامها في التحقيقات الرسمية حول الدعم الحكومي الصيني.

أما فيما يتعلق بمعالجة الاختلالات بأدوات الاقتصاد الكلي البحتة، فلا يزال من الصعب تخيل وجود أي تنسيق.

إذ لا يمكن للولايات المتحدة أن تدعي بمصداقية أنها تحاول الحد من الاختلالات بينما تواصل دفع العجز المالي إلى مستويات قياسية عبر التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق.

وبوجه عام، لا تحبذ الصين أن تعزل في المحافل الدولية، لكنها تبدي مقاومة شديدة للانضمام إلى توافق يناهض نموذجها الاقتصادي القائم على النمو.

إن تمسك بكين بتعزيز الصادرات كان يتعلق دوماً بالنمو وخلق فرص العمل، لكنه اليوم بات يرتبط بصورة متزايدة باستعراض التفوق التكنولوجي أيضاً.