ألان بيتي
يتطلب الأمر ظروفاً استثنائية كي تدفع مجموعة من الدول للاصطفاف خلف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، غير أن اختلالات الحساب الجاري الناتجة عن الفائض الصيني والمنافسة الشرسة من الشركات الصينية قد نجحت في تحقيق ذلك بالفعل.
وأكدت هذه الحكومات أن عودة الصين في السنوات الأخيرة إلى نموذج نمو يعتمد على التصدير بشراسة أصبح يفرغ قطاعات التصنيعية من مضمونها.
أما العقبة الثانية، فتكمن في التداخل المتزايد بين قضيتين متباينتين: اختلالات الاقتصاد الكلي من جهة، وسعي الصين لتحقيق التفوق التكنولوجي من جهة أخرى.
وتبرز الإشكالية هنا في أن الشركاء التجاريين لبكين يحاولون معالجة الاختلالات الاقتصادية بأدوات لا تصلح إلا للمنافسة التكنولوجية، عبر تبني سياسات صناعية تفتقر للتنسيق وتعجز في مجملها عن إحداث أي أثر ملموس.
إلا أنه مع بداية عقد العشرينيات، أدى انهيار القطاع العقاري الصيني وضعف الطلب المحلي إلى اندفاع بكين بنهم أكبر نحو النمو القائم على التصدير.
وكما يشير ديفيد لوبين، الباحث في مركز «تشاثام هاوس»، فإن نمو الصادرات الصينية كثيراً ما يكون لفترة مؤقتة، قبل أن تتقلص الفجوة عادة مع تعافي الطلب المحلي الصيني واستيعابه لمزيد من الإنتاج.
لكن منذ بداية العشرينيات، شهدت الصادرات الصينية ارتفاعاً كبيراً ومستمراً مقارنة بنمو الواردات العالمية.
ومع أن السبب الجذري لهذه الاختلالات يرجع لطبيعة الاقتصاد الكلي، إلا أنه بات مرتبطاً بحملة شرسة تسعى للسيطرة على الأسواق العالمية في مجالات السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات وغيرها.
وصحيح أنه ليس بالضرورة امتلاك فوائض مالية لاحتكار التكنولوجيا، فقد تصدرت الولايات المتحدة الريادة التكنولوجية العالمية لعقود بينما كانت تعاني عجزاً تجارياً، إلا أن هذا الاعتقاد يبدو هو السائد في بكين.
فقبل عقد من الزمان، شهدت منظمة التجارة العالمية معركة دبلوماسية وقانونية شرسة وطويلة الأمد حول تصنيف الصين كـ «اقتصاد غير قائم على آليات السوق»، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن هذا التصنيف كان يسهل على سلطات مثل الاتحاد الأوروبي فرض رسوم لحماية أسواقها ضد الإغراق.
وفي نهاية المطاف، ألغى الاتحاد الأوروبي ببساطة التمييز بين اقتصادات السوق والاقتصادات غير القائمة عليه في قانون الدفاع التجاري الخاص به.
وفي الأسبوع الماضي، كرر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسينت عبارة كان قد استخدمها سابقاً حين قال: إن شركة «بي واي دي» الصينية تصنع «أفضل سيارة بقيمة 70 ألف دولار يمكنك شراؤها بـ 35 ألف دولار فقط».
بينما يعود الجزء الأكبر إلى قاعدة تكلفة منخفضة حقاً صقلت عبر سنوات من المنافسة المحلية الشرسة؛ ومن ثم، فإن مجرد استخدام الرسوم الجمركية لتصحيح ذلك التشوه لن يحقق فارقاً جوهرياً.
وكان يقال سابقاً إن مصنع سيارات «فولكس فاجن»، كان يحدد معالم السياسة التجارية للتكتل، والذي كان بشكل أساسي يؤيد التجارة الحرة بوجه عام.
غير أن الشركة تنزف الوظائف الآن وتطالب باتخاذ إجراءات تجارية ضد الصين.
إذ أعلنت بكين أخيراً أنها ستمنع التكتل الأوروبي من جمع المعلومات داخل الأراضي الصينية لاستخدامها في التحقيقات الرسمية حول الدعم الحكومي الصيني.
إذ لا يمكن للولايات المتحدة أن تدعي بمصداقية أنها تحاول الحد من الاختلالات بينما تواصل دفع العجز المالي إلى مستويات قياسية عبر التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق.
إن تمسك بكين بتعزيز الصادرات كان يتعلق دوماً بالنمو وخلق فرص العمل، لكنه اليوم بات يرتبط بصورة متزايدة باستعراض التفوق التكنولوجي أيضاً.

