هيو فان ستينيس
هل يعقل أنه في الوقت الذي تواجه فيه البنوك المركزية تحديات لإثبات فاعلية سياساتها، أن تكون نماذجها الاقتصادية هي من ينبغي إلقاء اللوم عليه في المقام الأول؟
فقد كشفت أكبر المفاجآت التي شهدها العقدان الماضيان، بدءاً من الأزمة المالية العالمية، مروراً بموجة التضخم العاتية عقب الجائحة، وصولاً لانهيار بنك «سيليكون فالي»، عن الحدود الضيقة والقاصرة لنماذج الاقتصاد الكلي السائدة.
وقليلون هم الاقتصاديون الذين بذلوا جهداً لتسليط الضوء على هذه الفجوات كما فعل تشارلز جودهارت، الذي يبلغ عامه التسعين في أكتوبر. ويشتهر جودهارت بمقولة «عندما يتحول المقياس إلى هدف، فإنه يفقد صلاحيته كمقياس جيد»؛ إلا أن هذه العبارة لا تعكس سوى جزء يسير من إسهاماته.
يجمع جودهارت ببراعة استثنائية بين العمل الأكاديمي، وخبرة البنوك المركزية، وتفاصيل الأسواق المالية. ويمتلك مهارة لافتة في إثارة القضايا التي يتجاهلها غالبية الاقتصاديين في هدوء. ومع استعداد محافظ بنك إنجلترا لعقد مؤتمر تكريمي له، استعرض هنا أربعة دروس تعلمتها منه.
أولاً، تلعب المؤسسات دوراً حاسماً في السياسة النقدية؛ والبنوك ليست مجرد قنوات سلسة وخالية من العقبات والعوائق الهيكلية والتنظيمية، يتم من خلالها تنفيذ السياسات النقدية بشكل تلقائي، بل إن ميزانياتها العمومية ودوافعها التجارية هي التي تصوغ كيفية تطبيق السياسات النقدية على أرض الواقع.
ولقد كشفت الأزمة المالية الثمن الباهظ لتجاهل الخلل المترسخ في هذه المؤسسات، كما أظهر انهيار بنك «سيليكون فالي» وغيره من البنوك أن هذا الدرس لم يستوعب كاملاً بعد.
وتحتل البنوك موقعاً فريداً في قلب منظومة المدفوعات والائتمان؛ وتجاهل هذه الحقيقة يصنع نماذج رياضية أنيقة نظرياً، لكنه ينتج تحليلات اقتصادية ركيكة.
وكما قال لي جودهارت ذات مرة «يجب أن تضم كل لجنة للسياسة النقدية أعضاء يمتلكون فهماً واقعياً لآليات عمل الوسطاء الماليين وتفاصيل التشغيل الدقيقة». أو بعبارة أخرى، يحتاج حملة الدكتوراه إلى «سباكين».
وتشكل هذه الرؤية أيضاً أساس قلقه من «أحادية الثقافة»، أو التجانس المفرط، في القطاع المصرفي. فكلما أدت التشريعات التنظيمية إلى جعل البنوك نسخاً متشابهة، من خلال دفع مؤسسات متماثلة للابتعاد عن مخاطر متشابهة في التوقيت نفسه، زادت احتمالية تعرض النظام والاقتصاد لصدمات مشتركة. والحل ليس في تقليل التنظيم، بل في تعزيز التنوع. أي إيجاد نظام مالي تعددي يشمل وتتكامل فيه الأسواق العامة والخاصة.
ثانياً، تؤدي الضغوط المالية إلى زعزعة تركيز البنوك المركزية على هدفها الوحيد، وهو استقرار الأسعار؛ إذ تميل نماذج الاقتصاد الكلي التقليدية إلى تهميش التأثير المتزايد للدين العام وعجز الميزانية.
وفي حين يبدي العديد من البنوك المركزية قلقهم إزاء التآكل الصامت لاستقلاليتهم، يضع جودهارت هذا التحول في سياق أوسع يشمل تصاعد الضغوط المالية وتوسيع نطاق التفويض ليشمل قرارات ذات طابع سياسي أكثر منه فني.
وفي الذكرى العشرين لاستقلالية بنك إنجلترا عام 2017، أتذكر عندما سئل عن رأيه في تلك التجربة، فأجاب بأسلوبه الساخر «كانت فكرة لطيفة طالما استمرت».
وقد يتضح لاحقاً أن المرحلة الذهبية لاستقلالية البنوك المركزية كانت خلال الفترة الممتدة من أواخر الثمانينيات وحتى عام 2008. ومنذ ذلك الحين، أدت أعباء الديون المتزايدة، والأزمات المتكررة، وصعود موجات الشعوبية إلى إضعاف التوافق الذي كان يضمن تلك الاستقلالية.
ويتمثل التحدي اليوم في تعزيز المصداقية والمساءلة بالتوازي، مع تكييف أطر السياسات لتلائم هذه البيئة الجديدة. ومن هنا تبرز أهمية فرق العمل الجديدة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، التي تسعى للارتقاء بأساليب استخدام البيانات والنماذج وتحليل كيفية تغيير الذكاء الاصطناعي لوجه الاقتصاد.
ثالثاً، تحتاج النماذج الاقتصادية إلى إدماج فكرة «الفشل»؛ إذ ينظر جودهارت إلى التعثر والفشل باعتباره سمة جوهرية للنظام الرأسمالي، وليس مجرد عقدة مزعجة يستبعد أثرها من النماذج الرياضية.
وكما قال لي ذات مرة «العجز عن السداد بالنسبة للسيولة، كالإثم مقابل القداسة في الأديان».
أخيراً، ستثبت الديموغرافيا أنها أكثر تأثيراً من العديد من النقاشات التي تشغل بال محافظي البنوك المركزية حالياً.
وكان جودهارت من أوائل من نبهوا إلى أن الرياح المواتية التي جعلت مهمة البنوك المركزية يسيرة خلال ثلاثة عقود، كالتراجع المستمر للتضخم، ووفرة العمالة الرخيصة، وانخفاض أسعار الفائدة، قد انقلبت في الاتجاه المعاكس.
فارتفاع تكاليف التقاعد والرعاية الصحية سيشكل ضغطاً متصاعداً باستمرار على التضخم وأسعار الفائدة الحقيقية.
وتأتي نسب الديون المرتفعة لتزيد المشهد تعقيداً؛ إذ لم يعد بمقدور العديد من البنوك المركزية محاربة التضخم دون المخاطرة بإشعال اضطرابات في أسواق السندات.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن التداعيات تعد سلاحاً ذا حدين؛ فأسعار الفائدة الحقيقية المرتفعة قد تربك المحافظ الاستثمارية المصممة وفق آليات النظام القديم، في حين تفرض شيخوخة السكان المتزايدة الحاجة لابتكارات حقيقية في آليات إدارة مدخرات التقاعد.
ولا تكمن مساهمة جودهارت في رفضه للنماذج، بل في تساؤلاته المستمرة عما أغفلته. وفي منعطفات الاقتصاد، تتحدد النتائج بالمؤسسات، والقيود المالية، والإخفاقات، والقوى الديموغرافية التي تعجز النماذج عن استيعابها.
ولهذا السبب، لا يزال عمله، وهو في التسعين من عمره، ذا أهمية بالغة.