سارة أوكونور
تتفاوت بيئات العمل في مدى حرصها على حماية التخصصات والنفوذ الوظيفي؛ ففي صالات التحرير الصحفية، على سبيل المثال، يستميت معظم الصحفيين في حماية «مجالات تغطيتهم المتخصصة» ولا يسامحون من يتجاوز حدود نطاقهم.
غير أن السؤال المطروح اليوم: إلى متى سيستمر ذلك؟ تشير التقارير الميدانية المستمدة من بيئات عمل متعددة إلى أن الحدود التقليدية للعديد من الوظائف بدأت بالتآكل، مع تزايد استعانة الموظفين بأدوات الذكاء الاصطناعي لتأدية مهام تدخل ضمن صلب تخصصات زملائهم.
وفي معظم الأحيان، لا يعود هذا التداخل إلى إعادة هيكلة الإدارة لتدفقات العمل والمسؤوليات، بل يحدث هذا «التعدي الجماعي على الصلاحيات» بطريقة عشوائية وتلقائية، ليعود بالنفع على طرف وعلى حساب طرف آخر.
ومن بين عينة شملت نحو 800 ألف رسالة مرتبطة بالعمل، صُنفت 17 % تقريباً على أنها «عابرة للتخصصات الوظيفية»، أي أنها تقع ضمن مهام ترتبط بأدوار مختلفة عن دور المستخدم الأصلي.
وشكلت المهام المتعلقة بالتخصص الأصلي 22 % أخرى، بينما صنفت بقية الرسائل ضمن المهام «العامة»، ككتابة البريد الإلكتروني أو تنظيم جدول الاجتماعات.
هذا شريطة ألا يقع الموظف في أخطاء ينتهي المطاف بالمتخصصين إلى إصلاحها على أية حال.
فعندما أجرى الباحثون يانا ريتكوفسكي، وإيلا هافرمالز، ومارلين هويسمان دراسة إثنوغرافية على فريق إعلاني في شركة إعلامية هولندية، وجدوا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي أحدث تغييراً جذرياً في مسار تدفق العمل.
وبذلك تقلص دور بقية المتخصصين والمحترفين ليعملوا فقط على محاولة تنفيذ المقترح الذي أنتجه الذكاء الاصطناعي.
وأوضحت لي «ريتكوفسكي» أن هذه الديناميكية الجديدة كان من الصعب على الزملاء مناقشتها، لكن هذه النقاشات قد تفتح الآفاق أمام أساليب عمل جديدة تضمن مشاركة الجميع.
لقد أحب المدراء الإبداعيون هذه الاستقلالية الجديدة التي تمكنهم من تجسيد أفكارهم بصرياً، ولم تكن لديهم نية التعدي على صلاحيات أحد عمداً».
إلا أن الفرق التي تتجنب هذه النقاشات المحرجة، كما تضيف، قد ينتهي بها المطاف إلى «إقصاء الموظفين وتهميشهم».
وأشار «داميان غريمشو»، الأستاذ في كلية كينجز كوليدج لندن وأحد معدي الدراسة، إلى أنه في الوقت الذي أصبح فيه الناس «مهووسين للغاية» بتأثير الذكاء الاصطناعي على التسلسل الهرمي الوظيفي بين صغار الموظفين وكبارهم، يرى أن «التداخل الأفقي الحاصل حالياً بين المهام لا يقل أهمية بحال من الأحوال».
وحتى عندما تتلاشى وظيفة بعينها، فغالباً ما يكون السبب أن الجميع باتوا يؤدون مهامها بأنفسهم ضمن أعمالهم اليومية، تماماً كما حدث لوظيفة الطبّاع.

