خدمة الدين العالمي.. تهديد يواجه حكومات العالم

إيان سميث وسام فليمنغ وإميلي هربرت
تواجه حكومات العالم تهديداً بقيمة تريليوني دولار وهو خدمة الدين العالمي، وهو عبء يلتهم إيرادات الضرائب. 

وفي لحظة ما، قد يكون لهذا الدين العام القدرة على إرباك الحكومات المنتخبة وشل قدرتها على الحركة.

في الشهر الماضي، بلغ إجمالي الدين المستحق على الحكومة الأمريكية مستوى قياسياً عند 40 تريليون دولار.

وفي عام 2025، تجاوز إجمالي خدمة الدين لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تريليوني دولار، ما يعادل 3 % من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن المتوقع أن تقترض دول المنظمة مجتمعة 18 تريليون دولار هذا العام، وهو مستوى قياسي آخر.

وحالياً، يتجاوز الإنفاق على خدمة الدين العام حجم الإنفاق الدفاعي في كل من المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة. وينطبق الأمر نفسه على أكثر من 12 دولة من أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ عددهم 38 دولة.

ومن المرجح أن يرتفع عبء خدمة الدين في السنوات المقبلة، نتيجة موجة بيع السندات الأخيرة التي دفعت العوائد إلى الارتفاع، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة الدين على الحكومات في أنحاء العالم.

والمشكلة حالياً هي أن تكاليف الاقتراض ارتفعت لأعلى مستوياتها في نحو عقدين، في الوقت الذي تراكمت فيه الديون الحكومية عند مستويات قياسية.

وقال مايك ريدل، مدير صندوق في «فيديليتي إنترناشيونال»: «يجب الآن إعادة تمويل هذه الديون السيادية الضخمة بمعدلات فائدة تتزايد باستمرار. وقد بدأ المستثمرون العالميون يشعرون بالقلق».

وبلغ متوسط عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات في دول مجموعة السبع 4 %، للمرة الأولى منذ عام 2008، وسط مخاوف من الأثر التضخمي للحرب مع إيران، ومن ضخامة حجم الديون التي تسعى الحكومات والشركات إلى جمعها، خصوصاً شركات التكنولوجيا.

وبالنسبة إلى الاقتصادات الكبرى المثقلة بالديون والنمو الضعيف، مثل المملكة المتحدة وفرنسا، فقد فرضت خدمة الدين بالفعل إعادة النظر في إدارة المالية العامة. وفي بريطانيا، ساهم الارتفاع الحاد في عوائد السندات في الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة ليز تراس عام 2022.

والعوائد أعلى الآن. إذ تبلغ مدفوعات الفائدة البريطانية حالياً 110 مليارات استرليني سنوياً.

أما فرنسا، فقد تعاقب عليها ثلاثة رؤساء للوزراء منذ الانتخابات البرلمانية في 2024، ويرجع ذلك جزئياً إلى الضغوط المالية الناجمة عن ارتفاع تكلفة الدين.

وفي البلدين، وفي دول أخرى حول العالم، يواجه السياسيون خياراً صعباً: رفع الضرائب أم تقليص حجم الدولة؟ لأن حجم خدمة الدين الضخم يجعل من الصعب للغاية زيادة الإنفاق على الأولويات الاستراتيجية مثل الدفاع الوطني وأمن الطاقة.

وحتى الأزمة المالية العالمية في 2008، كانت أسعار الفائدة مرتفعة نسبياً في الاقتصادات الكبرى، لكن مستويات الدين كانت أقل بكثير. وبعد الأزمة، ارتفعت الديون بشدة، لكن إجراءات الطوارئ التي اتخذتها البنوك المركزية، إلى جانب ضعف النمو الاقتصادي، أبقت أسعار الفائدة منخفضة.

أما الآن، فيواجه صناع السياسات معادلة صعبة: ديون قياسية وتكاليف اقتراض مرتفعة.

ولا تزال الحكومات تجد مشترين لديونها، لكن المستثمرين يطالبون بعائد أعلى مقابل أموالهم، بعد أن تراجع المشترون التقليديون للسندات طويلة الأجل، وحل محلهم مستثمرون سريعو الحركة، مثل صناديق التحوط.

وأدت إصدارات السندات الجديدة في بريطانيا والولايات المتحدة ودول أخرى خلال الأشهر الأخيرة إلى تسجيل أعلى عوائد على الديون طويلة الأجل في نحو عقدين.

وقالت كيم كروفورد، مديرة عالمية للدخل الثابت في «جيه بي مورجان لإدارة الأصول»: «لقد انتهى بالتأكيد عصر المال المجاني. سوق السندات تبحث الآن عن الانضباط».

وبسبب طبيعة أسواق الدين الحكومي، حيث تمول الحكومات نفسها من خلال ديون مستحقة على آجال متفاوتة، بعضها يمتد لعقود، فإن ارتفاع تكاليف الاقتراض لا يتحول إلى ارتفاع مماثل في تكاليف خدمة الدين إلا تدريجياً. لكن الاتجاه العام يبدو واضحاً.

ويتوقع مكتب الميزانية في الكونجرس الأمريكي أن تتضاعف تكلفة الدين خلال العقد المقبل، وأن تتجاوز، وفق المسار الحالي، الإنفاق على الضمان الاجتماعي بعد عام 2047. ومن المرجح أن يكون العبء أكبر على دول أخرى تجد عادة صعوبة أكبر من أمريكا في إقناع المستثمرين بشراء سنداتها بشروط مواتية.

وبلغ الدين العام العالمي 94 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي العام الماضي، بزيادة أكثر من 10 نقاط مئوية مقارنة بعام ما قبل الجائحة.

ويرى صندوق النقد الدولي الآن أنه سيصل إلى 100 % بحلول نهاية هذا العقد. وفاقمت موجة بيع السندات هذا الصيف المشكلة.

فالضغوط التضخمية الناجمة عن الحرب مع إيران، والتي ظهرت أولاً في أسعار الطاقة، دفعت البنوك المركزية إلى التحول نحو رفع أسعار الفائدة.

ويضاف إلى ذلك مخاوف المستثمرين من حدود استعداد الأسواق لتمويل هذا الحجم الهائل من الديون، فضلاً عن قلقهم من عدم استعداد الحكومات المتقدمة للحد من الاقتراض.

كما أدى عدم الاستقرار السياسي إلى زيادة تكاليف خدمة الدين، فيما يسميه بعض المستثمرين «علاوة الحمقى». وقد أضافت الهشاشة السياسية في أوروبا منذ 2022 نحو 100 مليار يورو إلى نفقات الفائدة في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، وفق تقديرات شركة «أليانز».

وأحد أكبر مخاوف المستثمرين هو أن تقترب بعض الدول من الدخول في حلقة مفرغة، يؤدي فيها ارتفاع تكلفة الدين إلى زيادة تدهور أوضاع المالية العامة.

وفي هذا السيناريو، تؤدي أعباء الفائدة التي تتحملها الحكومة إلى إضعاف المالية العامة وزيادة الدين، ما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى، ما يرفع بدوره تكلفة خدمة الدين.

وما لم تنقذ المالية العامة أسعار فائدة منخفضة أو موجة قوية من النمو، فلن يكون أمام الحكومات سوى زيادة الإيرادات الضريبية أو خفض الإنفاق.

لكن الأسواق تشعر بقلق متزايد من أن تكون التخفيضات الصعبة غير قابلة للتنفيذ سياسياً في كثير من الحالات، سواء تعلق الأمر بكبح الإنفاق على المساعدات الاجتماعية في بريطانيا أم خفض الإنفاق الحكومي إجمالاً في الولايات المتحدة.

ويقول نيل ميهتا، مدير المحافظ في «RBC BlueBay Asset Management»: «السياسيون لا يريدون اتخاذ هذه الخيارات الصعبة، لأنهم يعلمون أنهم إذا فعلوا ذلك فسيطاح بهم في الانتخابات المقبلة. لا أعرف كيف ستنتهي هذه المشكلة».