كليات القانون تقيّد استخدام الذكاء الاصطناعي

باتي والدماير
نحن جميعاً نكابد لتحقيق التوازن بين العنصر البشري والآلة في بيئة العمل حالياً. 

ولعل تأهيل المحامين خير مثال على ذلك؛ إذ أصبح بمقدور الذكاء الاصطناعي التوليدي إنجاز جانب كبير من الأعمال الروتينية والمضنية التي كان يتم إسنادها عادة إلى شباب المحامين قليلي الخبرة.

لكن إن استسلمنا للآلة وتولت هذه المهام نيابة عنهم، فكيف يتسنى لهؤلاء المبتدئين أن يتحولوا يوماً إلى خبراء في مهنتهم؟

تحاول أعرق كليات القانون في الولايات المتحدة التعامل مع هذه المعضلة واختبار حلولها بسرعة؛ فمع بداية العام الدراسي الجديد، تعتزم كلية القانون بجامعة شيكاغو حظر استخدام الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية والحواسيب المحمولة داخل قاعات الدراسة الرئيسية لطلاب السنة الأولى، لمنعهم من الاستعانة بالحلول التقنية السريعة التي «تقزم نموهم الفكري».

ويقول ويليام هوبارد، رئيس لجنة الذكاء الاصطناعي في كلية القانون: «إن الهدف الأساسي هو إنجاز الأمور بالأسلوب الشاق والتقليدي، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة للتعلم بحق».

وظل هذا المبدأ عقوداً متتالية يجسد تجربة طلاب القانون في جامعة شيكاغو، عبر مناقشة القضايا والمبادئ القانونية لحظياً أمام الأساتذة والزملاء وفق ما يعرف بـ «الأسلوب السقراطي»، غير أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت تعرقل هذا المسار التفاعلي، كما يوضح هوبارد.

ويضيف هوبارد: «لقد بلغت قدرات تقنيات الذكاء الاصطناعي وحرص القطاع القانوني على تبنيها نقطة تحول حاسمة، وهو ما أوجد لدينا شعوراً ملحاً بضرورة التحرك»، مشدداً في الوقت نفسه على أن الحل لا يكمن في الحظر الشامل لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، قال عميد كلية القانون، أدام تشيلتون: «نحن ننطلق من حقيقة مفادها أن طلابنا سيستخدمون هذه الأدوات بلا شك، والسؤال هو: كيف نكيّف مناهجنا الدراسية لتعكس هذا الواقع بدلاً من تجاهله أو تمني زواله؟».

وتؤكد الكلية أنها تسعى لتأهيل طلابها للتعلم «مع الذكاء الاصطناعي، ومن دونه، عنه أيضاً».

ما يعني السماح باستخدامه في مجالات مثل العصف الذهني والدراسة الشخصية خارج القاعات الدراسية، فضلاً عن المقررات المخصصة لدراسته.

واستشهد هوبارد بدراسة حديثة أجريت على طلاب صينيين أظهرت أن أكبر معدلات التراجع في التحصيل الدراسي كانت بين من اعتمدوا على الذكاء الاصطناعي لاختصار الوقت في حل الواجبات المدرسية.

وقال: «إن الاستنتاج المحوري لا يتعلق بمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي من عدمه، بل في ما إذا كنت تخصص الوقت والجهد اللازمين للتعلم».

وتكمن «المفارقة» في التخصصات القانونية في أن الذكاء الاصطناعي يمثل «أداة إنتاجية مذهلة» في بيئة العمل الفعلية، «لكنه في البيئة التعليمية يحدث أثراً عكسياً تماماً، إذ يبقى الجهد والوقت المبذول هما الأساس المتين في عملية التعلم».

أما بالنسبة لطلاب المرحلة الجامعية الأولى، فتتبع جامعة شيكاغو نهجاً أكثر حزماً؛ إذ يحظر عليهم استخدام التكنولوجيا في المقررات الأساسية للعلوم الاجتماعية، ويلتزمون بدلاً من ذلك بالممارسات الورقية التقليدية كقراءة النصوص المطبوعة.

وتوضح جيني ترينيتابولي، رئيسة قسم العلوم الاجتماعية في الجامعة، ذلك بقولها: «نحن نزود الطلاب بالمهارات الحياتية التي يحتاجونها، بما في ذلك القدرة على اتخاذ القرارات وحل المشكلات حتى وإن انقطعت الطاقة بالكامل».

على المنوال نفسه، اعتمدت كلية القانون بجامعة كاليفورنيا في بيركلي سياسة جديدة صارمة تحظر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي «للمساعدة في وضع المفاهيم، أو وضع الخطوط العريضة، أو صياغة المسودة الأولية، أو المراجعة، أو الترجمة، أو التحرير لأي عمل يقدم للحصول على درجات علمية».

وأوضح عميد كلية القانون، إروين تشيميرينسكي «المبدأ الثابت لدينا هو أنه عندما يقدم الطالب عملاً دراسياً، فلا ينبغي أن يكون صادراً عن نموذج مثل كلود»، مشيراً في الوقت ذاته إلى منح الأساتذة هامشاً من التقدير الشخصي.

وأضاف: «إذا كان الذكاء الاصطناعي يتولى التفكير والصياغة نيابة عن الطلاب، فلن نكون قد علمناهم كيفية القيام بذلك بأنفسهم».

وفي المقابل، يرى كيل بوين، الشريك في شركة المحاماة «ماير براون»، أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في حالات معينة في إعداد محامين أكثر كفاءة؛ ففي المعتاد، يستمد شباب المحامين خبراتهم من التوجيهات المباشرة من كبار المحامين، لكن الذكاء الاصطناعي يمثل في بعض الأحيان «شريكاً للمساجلة الفكرية» بقدرته على استشراف القضايا غير الظاهرة، وهو أمر يصعب حتى على أكثر المحامين خبرة، نظراً لأن الانطباعات الشخصية تحجب الرؤية استناداً إلى التجارب المهنية والحياتية الفردية.

ومع ذلك، يصر هوبارد على أن مهنة القانون تنطوي على أبعاد إنسانية عميقة تمنع الاعتماد المفرط على الآلات؛ إذ يقول: «هناك جوانب جوهرية في ممارسة القانون لا ترتبط بالنصوص المدونة في الكتب، بل بما يختلج في قلب الإنسان وروحه. فعمل المحامي يحمل طابعاً إنسانياً بالغاً».

ويوضح أنه يطمح إلى أن يسهم الذكاء الاصطناعي في دعم المحامين عبر تخفيف الأعباء الروتينية، وتوفير وقتهم للتفرغ للأمور الأكثر أهمية بالنسبة للموكلين، كإعادة الاتصال بهم والتواصل المباشر معهم.

لكن من يتحمل تكلفة هذا التحول؟ يتساءل تشيلتون: «يجب علينا التفكير في كيفية تدريب الأفراد على بناء التقدير السليم وصنع القرار في عالم لم يعد فيه تقديم مثل هذا التدريب بواسطة العنصر البشري أمراً ذا كلفة اقتصادية مجدية» بالنسبة لمكاتب وشركات المحاماة.

وتظل المعضلة قائمة أمام الجميع حالياً، ما هو الحد الفاصل بين الاستخدام الرشيد للذكاء الاصطناعي والإفراط فيه؟ وما الذي نحن مستعدون للتضحية به في سبيل ذلك؟