«تشايمريكا» باتت وهماً والاستقرار العالمي هو الضحية

آدم توز
سيظل صيف عام 2026 عالقاً في الذاكرة بفضل موضوعين رئيسين في الاقتصاد الكلي؛ عودة الجدل حول الاختلالات الهيكلية الاقتصادية العالمية، أو ما يعرف بـ «صدمة الصين 2.0»، والضجة التي يشهدها أكبر سوق مالي في العالم، وهو سوق سندات الخزانة الأمريكية.

تكتسب كلتا القضيتين أهمية خاصة في حد ذاتها، إلا أن ما قد يعكس حالة العالم بشكل أكثر دلالة هو الرابط الذي يجمع بينهما، والذي أصبح يتسم بضعف وهشاشة متزايدين.

في الماضي، كانت الرابط بين العجز المالي والاختلالات العالمية يبدو واضحا. ففي أوائل القرن الحادي والعشرين، تزامنت سياسة التوسع في الإنفاق وخفض الضرائب خلال رئاسة جورج بوش الابن، مع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، ليؤرخ ذلك لمرحلة جديدة من العولمة.

وسجلت الولايات المتحدة عجزاً في الميزانية بطرح سندات خزانة بأحجام ضخمة لتمويل ديونها، لكنها لك تكن بحجم كبير يفوق الطلب عليها.

وكان المشترون الرئيسيون لسندات الخزانة الجديدة هم مدراء الاحتياطيات الأجنبية في الاقتصاديات ذات الفائض، وعلى رأسها الصين، التي رحبت بتجميع تراكم غير مسبوق من الاحتياطيات الأجنبية عبر الاستثمار في هذه السندات.

واستند هذا النظام إلى تلاعب ممنهج بميزان المدفوعات وأسعار الصرف، ما أبطأ ارتفاع قيمة اليوان أمام الدولار. كان النظام مصمماً لتعزيز التنمية الصناعية في الصين بسرعة هائلة.

لكن معالجة الاختلالات العالمية ومتطلبات تمويل الخزانة الأمريكية، أفرزت ما يعرف بـ «تشايمريكا» (Chimerica) (كلمة مؤلفة من الجمع بين كلمتي الصين وأمريكا)؛ وهو ما يمثل تجسيداً لمبدأ «الين واليانج» على صعيد الاقتصاد الكلي.

واليوم، لا يزال الاقتصادان الصيني والأمريكي يتسمان باختلالات حادة ومتعاكسة، وهي اختلالات تلقي بظلالها على الساحة الدولية، لتعمق عدم التوازن العالمي.

وتعاني الصين من ضعف الطلب المحلي بالتوازي مع تحقيق فائض تجاري غير مسبوق. ولا تزال أي محاولة لتعديل الأسعار معطلة بسبب تحكم بكين في سعر الصرف.

وكان بإمكان الصين السماح بإعادة تقييم عملتها وإجراء هيكلة محلية شاملة، غير أن عقبات سياسية جسيمة تقف حائلاً دون ذلك.

في المقابل، يبدو المأزق السياسي في الولايات المتحدة أكثر عمقاً؛ فمع تحول الحزب الجمهوري نحو التشدد، أصيب الكونجرس بشلل تام بشأن القضايا المالية.

فبعد تخفيضات بوش الضريبية في أوائل الألفية، جاء الإنفاق الطارئ عام 2008، ثم التخفيضات الضريبية لترامب عام 2017، ومساعدات جائحة كورونا، وأخيراً قانون التشريع المالي الضخم.

لقد أصبح صنبور العجز مفتوحاً بالكامل وبصفة دائمة، ليصل العجز الحالي إلى 6% في وقت يقترب فيه الاقتصاد من التوظيف الكامل، وهو مستوى غير مسبوق تاريخياً.

وبالنظر إلى حجم الطلب الذي تضخه الحكومة الاتحادية في الاقتصاد الأمريكي، فليس من المستغرب أن يحقق قطاعا الشركات والعائلات فائضاً.

ورغم أن قطاع الشركات الأمريكي يدير أموره بانضباط بوجه عام، فإن وادي السيليكون يمر بنوبة انتعاش ممولة بالديون، ما يسهم في إبقاء فائض القطاع الخاص أقل بكثير من عجز القطاع العام، لتتسع بالتالي الفجوة في عجز الحساب الجاري.

وحتى مع فرض رسوم جمركية بلغت مستويات لم تشهدها البلاد منذ عقود وحصول فائض صاف في قطاع الطاقة، تسجل الولايات المتحدة عجوزات تجارية هائلة.

إذ تلتهم طفرة الذكاء الاصطناعي أجهزة الكمبيوتر والشرائح الإلكترونية القادمة من آسيا، والتي أعفيت من الرسوم الجمركية بفضل ضغوط مكثفة مارسها وادي السيليكون، بينما تتعرض بقية القطاعات التجارية للضغط والإنهاك.

إذن، هل تعيد الأيام نفسها؟ من المؤكد أن الحقائق الراسخة لتوازن الاقتصاد الكلي لا تزال قائمة؛ ففي الحسابات الشاملة للاقتصاد العالمي، يمثل الفائض الصيني والعجز الأمريكي وجهين لعملة واحدة، وما الحديث عن «فك الارتباط» سوى وهم.

غير أن صيغة التناغم التي شكلت حالة «تشايمريكا» في العقد الأول من القرن الحالي لم تعد موجودة اليوم. فالزيادة في الفائض التجاري الصيني لا ترتبط أساساً بالولايات المتحدة، إذ باتت آثار «صدمة الصين 2.0» تتدفق نحو مناطق أخرى، خصوصاً أوروبا.

وتواصل الصين تراكم مستحقاتها الخارجية، حيث ينمو صافي فائضها بمقدار تريليون دولار سنوياً.

لكن الواضح أن عائدات النقد الأجنبي تلك لم تعد تتدفق بسلاسة إلى سوق سندات الخزانة الأمريكية كما كان الحال في الألفية الأولى.

ومع استمرار الحكومة الأمريكية في إصدار ديون جديدة وحجم مخيف الالتزامات المستمرة في النمو، توقفت عملية تراكم الاحتياطيات الجديدة إلى حد كبير.

ولا تزال السندات تجد مشترين، لكن المستثمرين المتقلبين الباحثين عن الربح السريع أصبحوا يلعبون دوراً أكبر فأكبر. وهذا يعني أن صفة «الأصل الآمن» التي تتمتع بها سندات الخزانة الأمريكية لم تعد مضمونة للطرفين.

وفي التحليل النهائي، حتى لو حاز مستثمرو الأجل القصير هذا الدين عبر تداولات المشتقات المالية، فلا بد أن هناك جهة ما تمول صناديق التحوط؛ فالأصول والالتزامات تتطابق دائماً، غير أن وول ستريت أصبحت مضطرة لبذل جهود مضاعفة ومضنية للحفاظ على هذا التوازن.

إن رؤيتنا القديمة لحالة «تشايمريكا» كانت مبسطة ومثالية أكثر مما ينبغي؛ أشبه بقصة مبسطة عن الاقتصاد الكلي، بدلاً من أن تكون نموذجاً لسياسات متوافقة، لذلك لم يكن مقدراً لها أن تدوم.

غير أنها على الأقل كانت تعد بالاستقرار، في حين أن واقعنا الحالي لا يقدم شيئاً من الاستقرار على الإطلاق.