رضا باقر-الرئيس العالمي لخدمات استشارات الديون السيادية في «ألفاريز آند مارسال» ومحافظ سابق لبنك الدولة الباكستاني
تتعثر أزمات الديون السيادية لأنه لا يوجد توافق على أسبقية الدائنين، وذلك على العكس من أنظمة الإعسار المحلية، مثل «الفصل 11» من قانون الإفلاس الأمريكي، الذي يحدد قواعد واضحة لترتيب الدائنين بعد التعثر.
أما في عالم الديون السيادية، حيث تكون الآفاق الاقتصادية لدول بأكملها على المحك، فلا يوجد مثل هذا الإطار، وبدلاً منه يتم اللجوء لأعراف غير رسمية للمفاضلة بين المقرضين. وهذا وضع يقتضي التغيير.
وفي الوقت الحالي، يفترض أن بعض المؤسسات متعددة الأطراف، مثل صندوق النقد الدولي، تتمتع بما يعرف بصفة «الدائن المفضل». نتيجة لذلك، يتم سداد مستحقاتها بالكامل وتستبعد من عمليات إعادة الهيكلة.
وفي الطرف المقابل، يقف حاملو السندات، الذين يحصلون على عوائد أعلى لقاء قروضهم، لذلك يأتون في أدنى سلم تراتبية الدائنين. ويتوقع منهم قبول اقتطاعات حادة من أموالهم عند إعادة الهيكلة.
لكن أكبر مقرضي الدول ليسوا صندوق النقد الدولي ولا حاملي السندات. وإنما المقرضون الرسميون الثنائيون، وهم الحكومات أو وكالاتها الرسمية التي تمنح قروضاً مباشرة لحكومات دول أخرى، وبنوك التنمية متعددة الأطراف.
وفي حالة المقرضين الثنائيين، تسود أعراف ملتبسة بشأن أولوية السداد في أزمات الديون. إذ يحصل بعض الدائنين على صفة الدائن المفضل، بينما يعامل آخرون معاملة حاملي السندات.
فمن يملك حق الحصول على هذه الصفة؟ ومن يقرر ذلك؟ لا توجد إجابات في أي عقد أو معاهدة رسمية، كما لم تضع أي مؤسسة عالمية إطاراً واضحاً لها، بل يخضع الأمر للتقدير بحسب كل حالة على حدة.
يؤدي هذا الغموض إلى جعل مفاوضات إعادة الهيكلة أطول وأكثر نزاعاً مما ينبغي، والنتيجة هي تأخر حصول الدول المثقلة بالديون على تخفيف لأعبائها.
خذ زامبيا مثالاً، فما زالت إعادة هيكلة ديونها غير مكتملة بعد أكثر من خمس سنوات من تخلفها عن السداد في عام 2020، بسبب تعثر عملية الهيكلة نتيجة خلافات حول ما إذا كان ينبغي التعامل مع «أفريكسيم بنك»، وهو بنك تنمية إقليمي متعدد الأطراف، باعتباره دائناً مفضلاً أم دائناً تجارياً. ومن المرجح أن تبرز أسئلة مماثلة عند إعادة هيكلة ديون فنزويلا.
النظام القائم غير مستدام ويجب تغييره، خصوصاً مع ازدياد تعقد مشهد الدائنين وتنوعه اليوم.
ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، والمنتديات متعددة الأطراف تحتاج لشيء مثل «طاولة مستديرة عالمية للديون السيادية»، لتقنين إطار عمل أكثر اتساقاً وشفافية لتحديد كيفية التعامل مع الدائنين في عمليات إعادة هيكلة الديون السيادية، على أن يرتكز هذا الإطار إلى ثلاثة مبادئ رئيسية.
أولاً، يجب أن تظل الجهات المقرضة التي يتم اللجوء إليها كملاذ أخير، مثل صندوق النقد الدولي، خارج نطاق عمليات إعادة هيكلة الديون.
والمقصود بالملاذ الأخير هي المؤسسات المستعدة لإقراض دولة متعثرة في وقت يمتنع فيه أي طرف آخر عن دعمها.
لذا ينبغي أن تحظى تمويلاتها بحماية أكبر، فمن دون هذه القاعدة لن تتشجع أي مؤسسة لنجدة دولة تواجه ضائقة مالية سيادية.
ثانياً، بالنسبة لجميع الدائنين الرسميين الآخرين، سواء أكانوا ثنائيين أم متعددي الأطراف، ينبغي ألا تستند المعاملة التفضيلية إلى هوية المقرض بل إلى شروط التمويل التي قدمها للدولة المتعثرة.
بعبارة بسيطة، فإن بنك تنمية متعدد الأطراف أو حكومة أقرضت دولة متعثرة بأسعار فائدة أقل أو بشروط أكثر سخاءً ينبغي أن تتحمل اقتطاعات أقل من مستحقاتها عند إعادة الهيكلة.
ومن شأن هذه القاعدة إخضاع كل الدائنين الرسميين لمعيار بسيط وجوهري، وهو مدى التنازلات التي قدموها في تسعير قروضهم.
وهو معيار يتسم بالشفافية لوجود حاسبات رقمية لدرجة التيسير على موقعي صندوق النقد والبنك الدوليين. والأهم أن قاعدة كهذه ستشجع المقرضين على تقديم شروط تمويل أفضل للدول.
ثالثاً، ينبغي أن تحظى القروض المقدمة من الدائنين في القطاع الخاص بأسعار السوق بمعاملة أقل تفضيلاً مقارنة بالتمويل الرسمي المقدم بشروط تقل عن أسعار السوق.
قد تقاوم بنوك التنمية الكبرى وغيرها من الجهات التي تتمتع حالياً بصفة الدائن المفضل هذه الإصلاحات خشية زيادة تكاليف تمويلها، لكن عدم اليقين ينطوي بدوره على تكاليف باهظة.
فغياب الوضوح في ترتيب الدائنين يفتح الباب أمام التأخير والتقاضي والمساومات السياسية في وقت لا تستطيع فيه الدول ومقرضوها تحمل ذلك.
يحتاج النظام المالي العالمي اليوم إلى إطار أكثر حداثة ومتانة لتنظيم عمليات إعادة هيكلة الديون السيادية، ونحن بحاجة إلى كتاب قواعد أكثر وضوحاً.