تخبّط سياسة «العمال» بشأن الهجرة لن يوقف ترهيب اليمين المتطرف

ستيفن بوش
على مدار العامين الماضيين، انطلقت حكومة حزب العمال البريطاني من فرضية مفادها أن تصاعد تحركات اليمين المتطرف في الشوارع وصعود حزب «ريفورم» في استطلاعات الرأي يمكن مواجهتهما ببساطة عبر خفض معدلات الهجرة والاستجابة لـ «المخاوف المشروعة» للجمهور.

إلا أن الحكومة لم تقدم أي أفكار كبرى، ولم تولِ اهتماماً جاداً بتوفير الموارد اللازمة لإنفاذ القانون، وكأن طرحها يعني ضمنياً أن خفض أعداد المهاجرين وتقديم بعض الدعم لتكاليف المعيشة كفيلان وحدهما بحل المشكلة.

فكيف تسير هذه التجربة؟ تقف المملكة المتحدة اليوم عند نهاية الصيف الثالث على التوالي الذي تزامن فيه تراجع صافي الهجرة مع جرأة أشد وتحركات أكثر جسارة لليمين المتطرف.

فبعد أعمال الشغب التي شهدها عام 2024، جاء عام 2025 بأكبر مسيرة لليمين المتطرف في تاريخ بريطانيا.

كما أن حزب «استعادة بريطانيا» بزعامة روبرت لو، الذي يعلن بفخر أن من ينحدرون من أصول بريطانية «أصلية» فقط هم من يمكن أن يكونوا بريطانيين بحق، يتقدم على حزب المحافظين في انتخابات عمودية مانشستر الكبرى.

في هذه الأثناء، حاصر رجال ملثمون ميناء دوفر يوم السبت الماضي، بينما أغلقت مجموعة أخرى من محتجي اليمين المتطرف الطرق في بورتسموث في اليوم التالي، عقب إنزال أكثر من 100 مهاجر مفترض إلى البر.

صحيح أن هناك «مخاوف مشروعة»، ففي العالم المتقدم، يأتي النمو السكاني بأكمله تقريباً عبر الهجرة.

ومن ثم فإن القلق من تجاوز أعداد المهاجرين لمعدلات النمو السكاني يعد أمراً مقلقاً.

والأمر نفسه ينطبق على رفض استقبال مهاجرين يحملون آراء سياسية متطرفة أو يعارضون المبادئ الأساسية لليبرالية.

وكذلك تفضيل أن يتحدث المهاجرون اللغة المحلية، أو أن يكونوا حاصلين على مؤهلات علمية جيدة.

وهذه ليست قائمة شاملة، لكنها تشمل جوانب أكثر مما استطاع حزب العمال صياغته خلال عامين في السلطة.

وهذا أمر يكتسب أهمية بالغة؛ لأنه مثلما توجد مخاوف مشروعة، فإن هناك مخاوف غير مشروعة.

فالاعتقاد بأن الشخص لا يمكنه أبداً أن يصبح مواطناً حقيقياً، أو أن أبناءه وأحفاده لا يمكنهم الانتماء لبريطانيا، لا يعد بحال من الأحوال قلقاً مشروعاً بشأن الهجرة.

بالمثل، فإن بعض أساليب التعبير عن القلق ليست مشروعة هي الأخرى.

فحزب العمال الذي أقر هذا العام بالذات تشريعات تمنع المحتجين من إخفاء هوياتهم، ويتغنى بأهمية الاحتجاج السلمي يبدو عاجزاً عن استيعاب أن إغلاق ميناء بأقنعة على الوجوه، بقيادة شخص يرفض العملية الديمقراطية صراحة، لا يمكن اعتباره «احتجاجاً» بأي معنى حقيقي.

وتكمن الأزمة في أن معظم سياسيي حزب العمال الذين يتحدثون عن «المخاوف المشروعة» يعتقدون ضمناً أنه لا وجود لمثل هذه المخاوف أصلاً.

نتيجة لذلك، يعجزون عن التمييز بين القلق العقلاني والعنصرية الفجة، لأنهم يفتقرون إلى القدرة على إدراك الفارق بينهما.

وهذه البقعة العمياء لها تبعات سياسية وعملية على حد سواء.

فمن الناحية التنفيذية، تعني أن الحكومة التي أمضت عامين في الحديث عن «المخاوف المشروعة» قد اندفعت، في عجلة من أمرها لخفض أعداد المهاجرين، نحو اتخاذ إجراءات تتعارض عملياً مع «المخاوف الحقيقية» لبعض الناخبين.

إذ تتجه المملكة المتحدة حالياً نحو صافي هجرة بالسالب، لكن دون أي تركيز حقيقي على المهارات أو نوعية الكفاءات التي يرغب الجمهور في استقطابها.

فقد تراجع عدد التأشيرات التي تمنحها الجامعات، بغض النظر عن مستواها التعليمي أو موطن الطلاب، في وقت تقترح فيه الحكومة تغييرات في السياسات من شأنها إرغام العديد من العمال المهرة ذوي الدخل المتوسط على المغادرة.

وكما هو متوقع، يرجح أن تتراجع رئاسة الحكومة «داونينغ ستريت» عن تطبيق الإجراءات نفسها على عمال الرعاية الصحية والاجتماعية المستوردين من الخارج.

وهو وضع يعني أن الحكومة ستكون قد أمضت عامين في إرسال رسائل لأفضل العقول والكفاءات العالمية بعدم القدوم، بينما تتخذ في الوقت نفسه من الهجرة وسيلة لتفادي النقاشات الصعبة مع نفسها ومع الناخبين بشأن تكلفة الرعاية الاجتماعية وتوفير الكوادر لهذا القطاع.

لقد نجحت الحكومة في إفراز نظام لا يحاصر موجة المخاوف غير المشروعة، ولا يعالج المخاوف المشروعة.

ونتيجة لعجزها عن التمييز بين القلق المشروع والكره الصريح، فشلت الحكومة في اتخاذ خطوات جادة لمعالجة المشكلة، سواء عبر الإقناع أم بقوة القانون.

بدلاً من ذلك، قدم حزب العمال حكومتين كان الرد الوحيد لكل منهما على أعمال البلطجة والترهيب هو تكرار القول إن «البلطجية قد يكون لديهم وجهة نظر».