روبرت شريمزلي
قد لا تتذكرون الجيل الأول من «مهووسي النظارات» الذكية، أولئك المتبنين الفضوليين للجيل الأول من الابتكار الذي طرحته «غوغل» قبل أكثر من عقد من الزمان.
ولقد أخفقت تلك التجربة لأسباب عدة، إذ كانت مرتفعة الثمن، وشكلها غير جذاب، ولا تلبي أي حاجة ماسة. يضاف إلى ذلك إخفاق «غوغل» في معالجة المخاوف المتعلقة بالخصوصية، والتي تنجم عن ارتداء شخص لكاميرا مثبتة على وجهه.
غير أن شركة «ميتا» لا تكرر الأخطاء نفسها، فبفضل إطلاق طرازات أحدث بأسعار تبدأ من نحو 220 جنيهاً إسترلينياً، أصبحت هذه الأجهزة في متناول عشاق التقنية.
كما أن شراكتها مع علامات تجارية مثل «راي بان» و«أوكلي»، تعني أنك لن تبدو كأحمق عند ارتدائها، حتى وإن كانت لا تزال تحمل في نظري شيئاً من مظاهر شخصية «جو 90» الكرتونية.
وقبل هذا وذاك، فإن السوق التي أبدت استعداداً لانتقاد شراء الساعات الذكية، أصبحت مهيأة تماماً لإيجاد استخدامات لهذه النظارات.
علاوة على ذلك، يشكل هذا القطاع سوقاً استهلاكية جديدة ذات آفاق واعدة، ما دفع شركات التقنية الكبرى إلى الرهان عليها بكل ثقلها. إذ تعمل كل من «أبل» و«غوغل» على تطوير طرازات جديدة، يعزز الذكاء الاصطناعي تطبيقاتها العملية الممكنة. وصحيح أن مسألة الخصوصية لا تزال قائمة، لكن متى كان مارك زوكربرج وأمثاله يأبهون بأمر كهذا؟
رغم ذلك، تظل الخصوصية هي المشكلة الأكبر في هذه الأجهزة المزعجة. وقد بدأت بالفعل حملة مناهضة شرسة، حيث يتم التنديد بها، بوصفها «نظارات للمتلصصين»، نظراً لقدرتها المحتملة على تصوير الأشخاص والتعرف إليهم، لا سيما الشابات. وبصراحة، فإن نظارات «ميتا» قد تجعل مهمة التعقب والاستغفال أسهل بكثير، وهو تطبيق استثماري «مبهر» حقاً!
ولهذا السبب تحديداً، لم تفعّل «ميتا» تقنية التعرف إلى الوجوه حتى الآن، رغم أن الجميع يعلم أنها ستفعّلها فور الحصول على قبول مجتمعي أوسع، فـ «ميتا» ليست من المؤسسات التي قد تكبح جماح برمجياتها لأسباب بسيطة كـ «صالح المجتمع».
والمفارقة أن تقنية التعرف إلى الوجوه تعد من أقوى المبررات التي قد تدفعني شخصياً لشراء هذه النظارات. فأي شخص بلغ منتصف العمر أو تجاوز مرحلة الشباب سيدرك فائدتها، إذ نلتقي بانتظام معارف غير دائمين، يتوقعون منا معرفة أسمائهم، لكن ذاكرتنا تتلكأ في استحضارها في الوقت المناسب. وهذه حرج اجتماعي جارف، بوسعنا تفاديه.
وهناك فائدة حقيقية أخرى، تتمثل في الملاحة. فالنظارات تقدم بديلاً آمناً مقارنة بالهاتف المحمول. كما أنها ستساعد سائقي الدراجات الهوائية والنارية الذين أراهم يتطلعون في هواتفهم بدلاً من التركيز على الطريق، إذ يحتاج هؤلاء إلى مثل هذه التقنية، لحمايتهم من قانون الاصطفاء الطبيعي.
لكن، في ما عدا ذلك، لا تقدم هذه الأجهزة شيئاً يذكر، فكل الميزات الأخرى مجرد تحسينات طفيفة لما نملكه بالفعل، وهي موجهة لمن يجدون في التقاط الهاتف أو النظر إلى المعصم جهداً شاقاً.
في المقابل، فإن المعرفة بأن يتم تصويرك خلسة في أي مكان تقريباً، دون أن يتحمل المصور حتى مخاطرة توجيه هاتفه نحوك أمر يدعو للقلق. وصحيح أن هناك ضوءاً في النظارة يفترض أن ينبهك خلال التصوير.
وأن الطرازات الأحدث تحظر التصوير عند تغطية الضوء، إلا أن السوق يعج بمنتجات وممارسات تسمح بالالتفاف على هذه القيود.
رغم ذلك، تلوح في الأفق علامات مبشرة برفض مجتمعي، إذ تم حظر هذه النظارات في حانات «ويذرسبونز»، والمحاكم، والأندية، ودور السينما، والعديد من المطاعم. وسيتم حظرها حتماً في معظم بيئات العمل.
ويمكن تعزيز هذا الرفض عبر اشتراط تركها عند الأبواب، وحبذا لو كان ذلك في صناديق بدون حراسة! ورغم أن حظرها أمام المدارس أو ملاعب الأطفال سيكون أصعب تنفيذاً، وكذا حظرها في وسائل النقل العام لحماية الركاب، إلا أن الأمر يستحق العناء والمطالبة.
إن كل قيد جديد سيساعد في تقويض انتشار هذه النظارات. والمهمة الأساسية هي وضع أعراف مجتمعية تناهض هذا الجهاز. ولا شك أن وصمها في العلن بـ «نظارات المتلصصين» سيفقدها بريقها. وأود حقاً رؤية حملات على منصات التواصل تدور حول شعارات مثل «نظارات المريبين».
لقد كان المجتمع بطيئاً في التصدي لآثار التقنية السلبية حتى تغلغلت عميقا في بنيته، لكن النظارات الذكية شكلت انتصاراً نادراً للخصوصية في الماضي. واليوم، يتجدد الصراع من جديد.
وأخشى أن هذا الهجوم الجديد من «مهووسي النظارات»، سيكون أشد قسوة وأصعب في الردع، فهناك أموال طائلة على المحك، وتطبيقات أكثر للتكنولوجيا، وأعداد غفيرة من المستهلكين المستعدين لشراء أي صرعة تقنية.
وأقل ما يمكننا فعله، هو جعل الحياة أكثر صعوبة على مستخدميها، عبر تقييد الاستخدام، وممارسة الضغط المجتمعي حيالهم، إلى الحد الذي يجعل تركها في المنزل الخيار الأسهل. لا أدعي الثقة في أننا سننتصر، لكن المحاولة قد تكون ممتعة على الأقل.