بريطانيا مصنع للأفكار المطبّقة في الخارج

تج بارك

تتفوق بريطانيا في إنتاج الأفكار وتقديم الاستشارات للآخرين، لكنها أقل كفاءة بكثير في تحويل تلك الأفكار إلى واقع داخل البلاد.

لنأخذ، على سبيل المثال، الميزة النسبية التي تتمتع بها البلاد في مجال الخدمات المهنية. فالمملكة المتحدة هي ثاني أكبر مصدر لخدمات الأعمال في العالم، وتقدم المشورة إلى مجالس إدارات الشركات في مختلف أنحاء العالم بشأن كيفية إدارة مؤسساتها.

رغم ذلك، تظهر الدراسات أن الشركات البريطانية تطبق، في المتوسط، ممارسات إدارية أضعف من نظيراتها في الدول المماثلة، ما يسهم في تأخر أداء البلاد على صعيد الإنتاجية.

وينطبق الأمر نفسه على تميز بريطانيا في التعليم العالي والبحث العلمي. فالمملكة المتحدة بين الدول الخمس الأولى عالمياً من حيث إجمالي الأبحاث المنشورة في الدوريات العلمية عالية الجودة في مجالات العلوم التطبيقية والطبيعية والاجتماعية، وفقاً لـ«مؤشر نيتشر»، لكنها لا تحقق المستوى نفسه من النجاح في تحويل هذه الأبحاث إلى منتجات صناعية وتكنولوجية.

ولإعطاء فكرة عن حجم المشكلة، فإن 80 في المائة من عمليات الطرح العام الأولي التي نفذتها الشركات المنبثقة عن الجامعات البريطانية منذ عام 2012 تمت في الخارج. وبين عامي 2012 و2021، استحوذ مشترون أجانب على غالبية الشركات التي حققت عمليات تخارج عبر صفقات الاستحواذ.

وتعكس ريادة الأعمال في بريطانيا الوضع نفسه. فالبلاد لا تعاني نقصاً في الاختراقات العلمية التي يمكن أن تؤسس عليها شركات جديدة، إذ تحتل المرتبة الثانية عالميا بعد أمريكا والصين من حيث عدد الشركات الناشئة التي تجاوزت قيمتها مليار دولار، والمعروفة باسم «يونيكورن».

لكن، باستثناء عدد قليل من القطاعات، تفتقر بريطانيا في كثير من الأحيان إلى البنية التحتية ورأس المال اللازمين لتوسيع هذه الشركات، ما يعزز المخاوف من تحولها إلى «اقتصاد حاضنات» وليس اقتصاد شركات.

والواقع أن الشركات البريطانية كثيفة البحث والتطوير أدت دوراً تأسيسياً في كثير من التقنيات الحيوية التي يعتمد عليها العالم اليوم، لكن عملية تحويل هذه الابتكارات إلى منتجات تجارية يتم في الغالب خارج البلاد.

فقد استحوذت «جوجل» في عام 2014 على «ديب مايند»، شركة الذكاء الاصطناعي الرائدة التي تأسست في لندن. كما استحوذت «سوفت بنك» اليابانية في عام 2016 على «آرم»، شركة تصميم أشباه الموصلات التي تتخذ من كامبريدج مقراً لها.

ويتكرر النمط نفسه في القطاع العام. فالأبحاث البريطانية يتم الاستشهاد بها في الوثائق المتعلقة بالسياسات العامة بمعدل يزيد على ضعف المتوسط العالمي، وفقاً لتحليل أجرته شركة النشر «إلسيفير» واتحاد الجامعات البريطانية، لكن الحكومات البريطانية لم تكن، في المقابل، نموذجاً يحتذى في صياغة السياسات الجيدة.

وهكذا، أصبحت بريطانيا أشبه بمصنع للأفكار التي يتم غالباً استثمارها في أماكن أخرى.

وتقدم سرعة التحول الاقتصادي في البلاد أحد التفسيرات لهذا التناقض. فقد شهدت المملكة المتحدة تراجعاً في قطاع التصنيع وصعوداً في قطاعي الخدمات والمعرفة بوتيرة أسرع منها في الدول المتقدمة الأخرى.

وأسهمت قوة الجامعات، والموقع الجغرافي المتميز، وانتشار اللغة الإنجليزية في تهيئة البلاد، ولندن خصوصاً، للتخصص في قطاعات الخدمات والقطاعات المعرفية المتقدمة ذات القيمة المضافة الأعلى، وذلك مع تطور التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الصناعية.

لكن مع انكماش المنظومة الصناعية البريطانية، بدءاً من الخبرات التصنيعية، وصولاً إلى شبكات التوريد ومراكز الاختبار، أصبح تحويل الأبحاث إلى منتجات تجارية أكثر صعوبة.

في الوقت نفسه، انجذبت المواهب ورؤوس الأموال نحو القطاعات الخدمية والمالية ذات العوائد الأعلى، ما أدى إلى ندرة الكفاءات العملية والتقنية في قطاعات الأعمال والصناعة والمؤسسات الحكومية.

نتيجة لذلك، أصبحت بريطانيا تنتج نسبة خريجين في مجالات الهندسة والتصنيع والبناء تقل كثيراً عن متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وأصبحت هذه الدائرة تغذي نفسها بنفسها.

ولم تساعد بيئة السياسات العامة على معالجة المشكلة. فقد جعلت تكاليف الطاقة المرتفعة واللوائح التنظيمية المقيدة توسيع نطاق الأعمال القائمة على الأفكار داخل البلاد أقل جاذبية.

وفي الشهر الماضي، أعرب كريس ماكدونالد، وزير العلوم البريطاني، عن أسفه لأن نقص «المساحات المخصصة للمختبرات الصناعية» يدفع المبتكرين في البلاد إلى الخارج.

كما أدى عدم اليقين، وارتفاع الضرائب العقارية، وارتفاع تكاليف العمالة إلى تقويض قدرة الشركات المحلية على الاستثمار وزيادة إنتاجيتها.

ويشكل نقص رأس المال مع نمو الشركات عاملاً آخر. فالشركات في مرحلة التمويل التأسيسي تحصل على نحو ثلاثة أرباع تمويلها من داخل البلاد، لكن هذه النسبة تنخفض إلى أقل من الثلث عندما تصل إلى مرحلة التوسع والنمو، وفقاً لبيانات مجلس العلوم والتكنولوجيا التابع للحكومة البريطانية.

ويعكس ذلك، جزئياً، عزوف المستثمرين المحليين من المؤسسات عن المخاطرة، فضلاً عن تشتت مصادر التمويل المحلية.

قطاع المعرفة في بريطانيا يمثل رافداً مهماً لبقية العالم، وهو نقطة قوة يتعين على البلاد تعزيزها، لكن إذا ظلت هناك حواجز كثيرة تحول بين الفكرة وبين الشركة أو المصنع أو البنية التحتية التي يمكن أن تنشأ عنها، فستواصل دول أخرى جني ثمار العقول البريطانية.