حماية الطبيعة ليست عملاً خيرياً بل مصلحة اقتصادية

أستريد شوماخر

لقد شعر الكثيرون حول العالم خلال الأشهر القليلة الماضية أنهم يواجهون خطراً محدقاً؛ حرائق لا يمكن إيقافها تلتهم المنازل والمناطق الغنية بالتنوع البيولوجي ذات الأهمية البالغة، وفلاحون يحرثون تربة جافة ومتدهورة إلى الحد الذي يجعلهم يخشون تأثير درجات الحرارة المرتفعة على محاصيلهم في المستقبل.

وكل هذا يأتي بتكلفة، سواء على الناس أو على المرونة الاقتصادية لكل دولة في العالم. وما نراه حالياً هو نتائج بناء أنظمة لا تتوافق مع الطبيعة.

لقد مرت 4 أعوام منذ أن اتفقت نحو 200 دولة في مونتريال على خطة لوقف تدهور التنوع البيولوجي واستعادته بحلول عام 2030.

هذه ليست فترة طويلة، لكنها بمقاييس الطبيعة تمثل دورة حياة أخطبوط المحيط الهادئ، أو الوقت الذي تحتاجه مستعمرة مرجانية للنمو بما يكفي لكي تشهد منطقة ساحلية زيادة الأسماك في مياهها.

وفي كل أسبوع أجمع أدلة من جميع أنحاء العالم تكشف كيف أن إعطاء الأولوية للتنوع البيولوجي قبل تلفه يحمينا بتكلفة لا تقارن بتكلفة الحلول البشرية بعد فوات الأوان. رغم ذلك، فإن «إطار كونمينج-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي» سيفشل ما لم نركز على أولويات محددة.

أولاً، يجب أن نواصل تسريع تنفيذ التعهدات الحكومية. ومن الجيد أن العمل على حماية الأنظمة البيئية والطبيعة يتزايد. فلقد أنهينا مؤتمر «كوب 15» في مونتريال بـ44 خطة وطنية فقط للتنوع البيولوجي، ولدينا الآن 116 خطة.

كما أصبحت الشركات والمجتمعات أكثر نشاطاً في عدم الإضرار بالطبيعة. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن القادة أصبحوا يرون فوائد الاستثمار في الأنظمة البيئية لصالح الشعوب والاقتصادات، وأيضا كمصد للكوارث الطبيعية.

ويجب علينا أيضاً زيادة الاستثمار في التنوع البيولوجي لأنه يحقق عوائد اقتصادية. ففي عام 2015، اجتاحت الحرائق أراضي الخث في جنوب شرق آسيا بعد تجفيفها لإقامة بساتين نخيل الزيت، ما حول الخث المشبع بالماء سابقاً إلى قنبلة كربونية شديدة الاشتعال.

وأدت عمليات الحرق المتعمدة لإخلاء مزيد من الأراضي بهدف استغلاها في الزراعة إلى انتشار النيران خارج السيطرة، ما تسبب في أضرار بقيمة 16 مليار دولار وأسهم في 100 ألف حالة وفاة مبكرة.

عقب ذلك، استصلحت الحكومة الإندونيسية مساحة تبلغ نحو 1.6 مليون هكتار. وبدلاً من التعامل مع المزارعين كجناة، جعلتهم شركاء في مشاريع الحماية، ما أدى لانتعاش المجتمعات المحلية اقتصادياً.

وعلى بعد نحو 5000 ميل في إثيوبيا، كان المزارعون على شفا كارثة مع وصول انجراف التربة إلى ذروته وأصبحت الأراضي غير صالحة للزراعة.

ومن خلال مبادرة أُطلقت عام 2019 باسم «CALM»، تم تمكين المجتمعات المحلية والمزارعين من حماية الأراضي التي يمتلكونها.

وأظهرت الأرقام الصادرة هذا العام أنه تم استصلاح 2.6 مليون هكتار منذ ذلك الحين، كما تمت إضافة 1.1 مليون فرصة عمل في إعادة التشجير وإدارة المياه والزراعة المستدامة.

وفي مجال الطب، قد تكون النباتات التي تحمل مفتاحاً لعلاج مشاكل صحية ما مختبئة في أعماق الغابات الاستوائية لم تكتشف بعد. وإذا تم الحفاظ على هذه الأنظمة البيئية واكتشاف أدوية جديدة، فسيكون من الممكن تحقيق فوائد اجتماعية واقتصادية ضخمة من خلال الحفاظ على ازدهار الطبيعة.

وهناك خطوة أخرى مهمة، وهي سد الفجوة التمويلية والاستثمارية. فقد طال انتظار دحض الاعتقاد الخاطئ بأن تمويل التنوع البيولوجي هو مجرد عمل خيري ثانوي.

فقد تبين حالياً بوضوح أن تدهور الغابات الشاسعة عالية الإنتاجية مثل «سيرادو» وحوض الكونغو سيؤدي إلى تحمل دول أوروبا مليارات الدولارات من تكاليف الاستيراد الإضافية، بسبب انخفاض المحاصيل نتيجة اضطراب الأمطار والجفاف.

ومع تقلص مساحة المناطق الطبيعية العازلة في عالمنا، ستزداد تكاليف الإصلاح، وسيأتي الجزء الأكبر من الإنفاق على حماية النظم البيئية من الميزانيات الداخلية للدول.

لكن هذه الميزانيات العامة تزداد إجهاداً، ما يؤدي إلى الإفراط في الوعود مع تقصير في التنفيذ، حتى مع مواجهة الحكومات لضغوط متزايدة لمعالجة آثار الظواهر الجوية المتطرفة. وسيضطر السياسيون إلى العمل لمنع أعباء الديون من دفع الدول نحو الاستثمار في قطاعات مدمرة للتنوع البيولوجي.

وإجمالاً، وبجمع الإنفاق العام والخاص معاً، فمقابل إنفاق دولار واحد على حماية الطبيعة في عام 2023، تم إنفاق 30 دولاراً على «أنشطة ضارة بالطبيعة»، مثل دعم الوقود الأحفوري والاستثمار في الصناعات الثقيلة.

وتختبئ الشركات وراء غياب التنظيم، متقاعسة عن تقييم ونشر مدى اعتمادها على الموارد الطبيعة وآثار نشاطاتها الاقتصادية عليها.

كان تحديد أهداف التنوع البيولوجي هو الجزء الأسهل. أما الخروج من قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي «كوب 17» في أرمينيا أكتوبر بخطة لتسريع العمل فهو الأهم والأصعب. ولكن إذا كانت الدول والشركات مستعدة للتعلم والاستثمار، فقد يتحول ما يبدو كفوهة بندقية إلى نفق في نهايته ضوء.