بيليتا كلارك
لا أستطيع تذكّر آخر مرة قرأت فيها شيئاً ما في صحف يوم الأحد جعلني أشهق دهشة، لكن هذا بالضبط ما حدث في عطلة نهاية الأسبوع الماضي؛ حينما قرأت مقابلة مع آلان تشانج.
فحينما سأله صحفي من جريدة «ذي صنداي تايمز» عن اهتماماته الشخصية، أجاب رئيس شركة «فيوز إنرجي»، وهي شركة بريطانية ناشئة في التكنولوجيا والتقنية الطاقية، تقدر قيمتها بنحو 5 مليارات دولار، وأعمار قياداتها في الثلاثينيات من العمر، قائلاً: «أنا لا أقرأ الكتب».
كما أنه لا يشاهد الأفلام السينمائية، ناهيك عن الأنشطة الخيرية، إذ أضاف «لا أؤمن بالجمعيات الخيرية حقيقة، وأراها أداة غير فعالة بالمرة لتوجيه وتوظيف رؤوس الأموال».
غير أن تصريحه الأكثر إثارة للصدمة جاء عندما كشف تشانج، وهو مسؤول تنفيذي سابق في شركة «ريفولوت» للتقنيات المالية المعروفة ببيئتها التنافسية الحادة، أنه قرر تأسيس شركة «فيوز» عام 2022 عقب اكتشافه أن قطاع الطاقة البريطاني مليء بالكفاءات المحدودة والمتردية.
وكشف أن هذا الرأي تكوّن بعد أن «أجرينا عملية مسح عبر منصة لينكدإن لاستعراض خريطة العاملين بالقطاع؛ أين درسوا؟ وما هي سجلات إنجازاتهم؟ ووصلت إلى نتيجة مفادها أن الغالبية العظمى منهم لا تصلح للتوظيف لدي شخصياً».
لم يسبق لي أن التقيت بتشانج، لذا ليس لدي أدنى فكرة عما إذا كان قد أدلى بهذا التعليق، الذي ينم عن غطرسة بالغة، لمجرد لفت الأنظار، أم لأنه يؤمن به حقاً. ومهما يكن الأمر، فقد أدهشني مقدار الدهشة التي انتابتني.
ولا يعني ذلك أن رؤساء الشركات التنفيذيين الذين يتسمون بالصراحة المطلقة قد انقرضوا، غير أنهم أصبحوا بلا شك مهددين بالانقراض بشكل متزايد.
إذ يظل مايكل أولياري، رئيس شركة «رايان إير»، نموذجاً لحالة شاذة من الصخب، حتى بعد مرور 17 عاماً على تصريحه لي بأنه سيعتزل العمل خلال ثلاثة أعوام لإفساح المجال لقيادة أكثر دبلوماسية. وكان ذلك في مقابلة وصف فيها أحد منافسيه في القطاع بأنه «فتى ثري قرر أخيراً أن يحرك قدميه وينهض»، مضيفاً أن ريتشارد برانسون، مؤسس مجموعة «فيرجن»، «لا يزن كثيراً في سوق الأعمال».
ولم يتغير الشيء الكثير منذ ذلك الحين؛ فقبل شهرين فقط، وصف أولياري راشيل ريفز بـ «الغبية»، وأورسولا فون دير لاين بـ «البلهاء».
مشتكياً من أن من وصفهم بـ «الأغبياء والحمقى» في البرلمان الأوروبي يصيغون «لوائح تنظيمية مختلة».
وفي القطاع المالي، يبرز جيمي ديمون، رئيس «جي بي مورجان تشيس»، كحالة فريدة في «وول ستريت»، حيث اعتاد وصف كل القضايا، بدءاً من السياسة الأمريكية وصولاً إلى بعض برامج التنوع والشمول داخل بنكه، بأنها «ترهات غبية».
أما في قطاع التكنولوجيا، فيستأثر أليكس كارب، رئيس شركة «بالانتير» بالأنظار بأقواله الصريحة، إذ تفاخر بالتفكير في استخدام طائرة مسيرة «لرش رذاذ محمل بالمخدرات على المحللين الذين يحاولون إفشال أعمال الشركة»، معرباً بابتهاج عن تقبله لرأي من يعتبرونه شخصاً «مغروراً وقاسياً».
ولكن، لماذا تقلصت قائمة القيادات الاقتصادية ذات الآراء الجريئة والمباشرة إلى هذا الحد؟ لا يعود السبب فقط إلى هيمنة وكالات العلاقات العامة والتواصل المؤسسي، ولا إلى خشية انتقام السياسيين المستعدين للتضييق على الشركات التي لا تلتزم بالخطوط الرسمية.
وأعتقد أن تصريحات تشانغ جاءت بمثابة صدمة قوية لأنها تنبع من القطاع التكنولوجي الذي وصل إلى مستوى غير مسبوق خلال الأعوام الأربعة الماضية، في ضخ خطابات متكلفة ومحملة بالنرجسية والسطحية.
وأقصد هنا تلك المقالات المطولة التي يواصل الرؤساء التنفيذيون لشركات الذكاء الاصطناعي وداعموهم نشرها بكثافة منذ إطلاق نموذج «تشات جي بي تي» عام 2022.
ففي عام 2023، أعلن مارك أندريسن في مقاله بعنوان «بيان المتفائلين بالتكنولوجيا»، المؤلف من 5200 كلمة، أن «الذكاء الاصطناعي هو الخيمياء الحديثة، وحجر الفلاسفة الخاص بنا».
وفي العام التالي، وعد سام ألتمان قائلاً: «إن السمة البارزة لعصر الذكاء الاصطناعي ستكون تحقيق رخاء اقتصادي شامل وهائل».
وبعد شهر واحد، أصدر داريو أمودي، رئيس شركة «أنثروبيك»، وثيقة ضخمة تقع في 14700 كلمة حول كيفية تغيير الذكاء الاصطناعي للعالم نحو الأفضل، أتبعها بـ «جزء ثان» بلغ 21800 كلمة، أوضح فيه أننا ندخل مرحلة تاريخية «ستختبر فيها جوهرنا كجنس بشري».
والشهر الماضي، نشرت شركة «ميتا» على لسان مارك زوكربرج مقالاً مطولاً من 6500 كلمة عن «الطريق نحو مستقبل إيجابي للذكاء الاصطناعي»، لتصل ثرثرة السعي وراء المصالح الشخصية إلى ذروة جديدة.
وكتب زوكربرج أن الذكاء الاصطناعي يمكنه منح الجميع «قدرات خارقة في الابتكار» ومعلمين شخصيين يحملون «الدكتوراه في كل التخصصات»، إلى جانب «أدوات قوية لتأسيس مشاريع جديدة»، ولكن ذلك لن يتحقق إلا إن أتيحت الفرصة لشركة «ميتا» للتوسع والازدهار.
وقال بجدية إن «ميتا تعتبر الشركة الرئيسية التي تركز في المقام الأول على بناء ذكاء اصطناعي خارق وشخصي متاح للجميع. في حين تركز معظم المختبرات الأخرى على بناء أنظمة تخدم الشركات والحكومات؛ وإذا ما قادت تلك المختبرات المشهد، فإن ميزان القوة سيميل لصالح المؤسسات الكبرى على حساب الأفراد».
وبناءً عليه، أقول، وبكل جدية، إنني أفضل أن أستمع إلى ما يخرج من نوبات الغضب الحادة التي تصيب أولياري، أو انتقادات تشانغ اللاذعة، أو أي خطاب آخر خالٍ من ذلك الفراغ الخانق الذي يطبع قدراً كبيراً من «التواصل المؤسسي».
وأنا لا أتفق مع كل ما يقوله أصحاب النقد اللاذع، ففي بعض الأحيان تكون تصريحاتهم مسيئة بلا داعٍ. ولا أظن أنني أود العمل تحت قيادتهم. وهو أمر جيد على أي حال، إذ أثق أن أحدا منهم قد يفكر في توظيفي. كما أنني أرى مشروع «فيوز إنرجي» المملوك لتشانج أقل إثارة واهتماماً مما يراه المستثمرون.
غير أن اقتصاد اليوم بحاجة ماسة لمزيد من رؤساء الشركات الذين لا يخشون التحدث بصراحة، خصوصاً أولئك الذين يتحكمون في تقنيات حديثة وفائقة القدرة قد تعيد تشكيل الحياة كما نعرفها.
