«الكينزية» تحت الاختبار.. هل انتهى عصر الإنفاق الحكومي؟

أندي هالدين

خلفت الأزمتان المزدوجتان؛ الكساد الكبير عام 1929 وركود ثلاثينيات القرن الماضي، آثاراً بالغة على الأسر والقطاعات الإنتاجية.

وأدى السعي للأمان عبر الادخار إلى حالة ركود اقتصادي، وهو ما أطلق عليه جون ماينارد كينز «مفارقة الادخار»، لتبرز «النظرية الكينزية» حينها كخطة طوارئ لإعادة التوازن.

في ظل هذه الظروف، رأى كينز أنه على الحكومة أن تتصرف كجهة إنفاق وتحمل للمخاطر، لأن ذلك سينعش حيوية للقطاع الخاص، وبالتالي سيحفز النمو. وعندما طبقت هذه الأفكار، أثبت «المضاعِف الكينزي» فاعليته، وساهم إلى حد كبير في انتشال العالم من الكساد الكبير.

وبعدما أن هيمنت الكينزية على صناعة القرار الاقتصادي حتى سبعينيات القرن الماضي، تم التخلي عنها لصالح السياسات النقدية مع تحول الركود الاقتصادي إلى ركود تضخمي.

إلا أنها شهدت في هذا القرن عودة ملحوظة استجابة لمجموعة جديدة من الأزمات المتشابكة، كالأزمة المالية العالمية، وجائحة كوفيد19، والأزمة الروسية الأوكرانية. بل إن التدخلات الجديدة فاقت أي حوافز اقتصادية سابقة في زمن السلم.

وبالفعل ساهمت هذه التدخلات الضخمة في تخفيف آثار الأزمات، إلا أنها خلفت ندبات دائمة.

فقد تجاوز الدين العام في دول مجموعة السبع الناتج المحلي الإجمالي السنوي، وتضاعفت نسب الدين، وكادت أن تتضاعف ثلاث مرات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، منذ بداية القرن.

وهذا يثير تساؤلات حول فعالية التحفيز المالي في المستقبل، خصوصاً في الدول المثقلة بالديون كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة واليابان. فهل تضاءلت أهمية النظرية الكينزية، أم أصبحت من الماضي؟

يعمل المضاعف الكينزي عبر ثلاث قنوات رئيسية. الأولى، عبر تأثيرها على إنفاق الأسر والشركات، فلكي تؤتي الكينزية ثمارها عليها أن تحفز إنفاق القطاع الخاص.

لكن إذا توقع الأفراد أن الاقتراض اليوم يعني ضرائب أعلى غداً، فإن التحفيز المالي قد يحفز الادخار بدلاً من الاستهلاك، وهي الظاهرة التي رصدها ديفيد ريكاردو عام 1820.

والثانية، هي استجابة تكاليف الاقتراض للتحفيز. فإذا تم النظر إلى أن زيادة الاقتراض سترفع احتمالات لجوء الحكومات إلى خفض قيمة الديون عبر التضخم أو التخلف عن السداد مستقبلاً، فإن ذلك سيرفع تكاليف الاقتراض ويقلل الطلب الحالي.

أما الثالثة، فتعتمد على كيفية استجابة السياسة النقدية. على سبيل المثال، هل ستدعم البنوك المركزية التحفيز المالي أم ستوازن آثاره بتشديد السياسة النقدية. وهذا الخيار هو الأكثر ترجيحاً عندما يكون التضخم نفسه أعلى من المستوى المستهدف.

وإذا عملت القنوات الثلاث باتجاه كبح التحفيز، فإن أثره ينحسر تدريجياً، بل قد يتحول إلى أثر سلبي.

وكشفت دراسة أجراها فرانشيسكو جيافازي وماركو باجانو أن الانكماش المالي في أيرلندا والدنمارك خلال ثمانينيات القرن الماضي أدى إلى تحفيز الطلب.

ثم تكررت هذه الحيلة في البرتغال وإيطاليا وأيرلندا واليونان وإسبانيا التي عانت أزمات اقتصادية في هذا القرن. وكان القاسم المشترك في كل هذه الحالات، وفي العديد من الأسواق الناشئة، هو ارتفاع الدين العام بشكل غير معتاد.

وتؤكد أدلة أخرى هذا النمط. ففي دراسة شملت 44 دولة، وجد إيلزيتسكي ومندوزا وفيج أن التحفيز المالي يثبط النمو، عندما يتجاوز حجم الدين العام 60% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع تجاوز كل دول مجموعة السبع هذا الحد، هل سندخل مرحلة نهاية السياسات الكينزية؟

إن إمعان النظر في كل قناة من هذه القنوات الثلاث يدعم هذا الرأي. فتاريخياً، شكك الاقتصاديون في قدرة المستهلكين والشركات على توقع الزيادات الضريبية عند اتخاذ قرارات الإنفاق

وهشاشة المديونيات العامة جعلت هذا المخاوف أكثر حضوراً. وتكشف استطلاعات الرأي في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان أن المخاوف من زيادة الضرائب أصبحت من أهم العوامل المحبطة للمعنويات والإنفاق.

على سبيل المثال، تصدرت زيادة الضرائب قائمة مخاوف الشركات البريطانية قبل إقرار الميزانيتين الأخيرتين، ما أدى لارتفاع الادخار وتوقف النمو. وتتجه ميزانية الشهر المقبل نحو تكريس ذلك التوجه.

كما تتزايد بوضوح آثار عدم الاستقرار المالي على تكاليف الاقتراض، وهي القناة الثانية.

إذ ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل في دول مجموعة السبع بمقدار 4 نقاط مئوية منذ جائحة كوفيد، نتيجة التضخم والمخاوف المالية.

واللافت أن العوائد في البرتغال، وأيرلندا، واليونان، وإسبانيا استقرت عند مستويات أدنى من دول مجموعة السبع. وبحسب أبحاث حديثة أعدها ديفيد أيكمان، أصبحت العوائد أكثر حساسية للأخبار المتعلقة بتفاقم العجز.

كما تفاقم البنوك المركزية، وهي القناة الثالثة، هذه الضغوط حالياً. فبعد فترة تيسير نقدي غير مسبوقة أعقبت الأزمة المالية العالمية

ومع إخفاقها في تحقيق مستهدفات التضخم لأكثر من 5 سنوات، رفعت البنوك المركزية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة ومنطقة اليورو الفائدة قصيرة الأجل وتحولت نحو التشديد الكمي.

وبالنظر إلى هذه المعطيات مجتمعة، يتضح أن العديد من الاقتصادات تتجه نحو حقبة جديدة. فعندما يكون الدين هو الداء، يكون للحلول المالية أثر سلبي.

وإن لم تكن الكينزية قد ماتت، فإنها أصبحت غير ذات فاعلية، إلا إذا ركزت بشكل تام على الاستثمار العام.

وعلى عكس ثلاثينيات القرن الماضي، فإن «مفارقة الادخار» الحالية هي من صنع السياسات الحكومية لا سلوكيات القطاع الخاص؛ ولتجاوزها، على الحكومات أن تدرك أن الضبط المالي، شأنه شأن الأفعال الحميدة، يبدأ من الداخل.

محرر مساهم في «فايننشال تايمز» والخبير الاقتصادي الأسبق لدى بنك إنجلترا