أندي هالدين
وأدى السعي للأمان عبر الادخار إلى حالة ركود اقتصادي، وهو ما أطلق عليه جون ماينارد كينز «مفارقة الادخار»، لتبرز «النظرية الكينزية» حينها كخطة طوارئ لإعادة التوازن.
وبعدما أن هيمنت الكينزية على صناعة القرار الاقتصادي حتى سبعينيات القرن الماضي، تم التخلي عنها لصالح السياسات النقدية مع تحول الركود الاقتصادي إلى ركود تضخمي.
إلا أنها شهدت في هذا القرن عودة ملحوظة استجابة لمجموعة جديدة من الأزمات المتشابكة، كالأزمة المالية العالمية، وجائحة كوفيد19، والأزمة الروسية الأوكرانية. بل إن التدخلات الجديدة فاقت أي حوافز اقتصادية سابقة في زمن السلم.
فقد تجاوز الدين العام في دول مجموعة السبع الناتج المحلي الإجمالي السنوي، وتضاعفت نسب الدين، وكادت أن تتضاعف ثلاث مرات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، منذ بداية القرن.
وهذا يثير تساؤلات حول فعالية التحفيز المالي في المستقبل، خصوصاً في الدول المثقلة بالديون كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة واليابان. فهل تضاءلت أهمية النظرية الكينزية، أم أصبحت من الماضي؟
لكن إذا توقع الأفراد أن الاقتراض اليوم يعني ضرائب أعلى غداً، فإن التحفيز المالي قد يحفز الادخار بدلاً من الاستهلاك، وهي الظاهرة التي رصدها ديفيد ريكاردو عام 1820.
ثم تكررت هذه الحيلة في البرتغال وإيطاليا وأيرلندا واليونان وإسبانيا التي عانت أزمات اقتصادية في هذا القرن. وكان القاسم المشترك في كل هذه الحالات، وفي العديد من الأسواق الناشئة، هو ارتفاع الدين العام بشكل غير معتاد.
وتؤكد أدلة أخرى هذا النمط. ففي دراسة شملت 44 دولة، وجد إيلزيتسكي ومندوزا وفيج أن التحفيز المالي يثبط النمو، عندما يتجاوز حجم الدين العام 60% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع تجاوز كل دول مجموعة السبع هذا الحد، هل سندخل مرحلة نهاية السياسات الكينزية؟
وهشاشة المديونيات العامة جعلت هذا المخاوف أكثر حضوراً. وتكشف استطلاعات الرأي في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان أن المخاوف من زيادة الضرائب أصبحت من أهم العوامل المحبطة للمعنويات والإنفاق.
على سبيل المثال، تصدرت زيادة الضرائب قائمة مخاوف الشركات البريطانية قبل إقرار الميزانيتين الأخيرتين، ما أدى لارتفاع الادخار وتوقف النمو. وتتجه ميزانية الشهر المقبل نحو تكريس ذلك التوجه.
إذ ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل في دول مجموعة السبع بمقدار 4 نقاط مئوية منذ جائحة كوفيد، نتيجة التضخم والمخاوف المالية.
واللافت أن العوائد في البرتغال، وأيرلندا، واليونان، وإسبانيا استقرت عند مستويات أدنى من دول مجموعة السبع. وبحسب أبحاث حديثة أعدها ديفيد أيكمان، أصبحت العوائد أكثر حساسية للأخبار المتعلقة بتفاقم العجز.
ومع إخفاقها في تحقيق مستهدفات التضخم لأكثر من 5 سنوات، رفعت البنوك المركزية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة ومنطقة اليورو الفائدة قصيرة الأجل وتحولت نحو التشديد الكمي.
وبالنظر إلى هذه المعطيات مجتمعة، يتضح أن العديد من الاقتصادات تتجه نحو حقبة جديدة. فعندما يكون الدين هو الداء، يكون للحلول المالية أثر سلبي.
وإن لم تكن الكينزية قد ماتت، فإنها أصبحت غير ذات فاعلية، إلا إذا ركزت بشكل تام على الاستثمار العام.
وعلى عكس ثلاثينيات القرن الماضي، فإن «مفارقة الادخار» الحالية هي من صنع السياسات الحكومية لا سلوكيات القطاع الخاص؛ ولتجاوزها، على الحكومات أن تدرك أن الضبط المالي، شأنه شأن الأفعال الحميدة، يبدأ من الداخل.
