1.5 درجة مئوية.. هدف مناخي بنبض ضعيف

سايمون موندين

«لقد أبقينا هدف الـ 1.5 درجة مئوية على قيد الحياة، لكن نبضه بات ضعيفاً»، هكذا أعلن ألوك شارما، رئيس مؤتمر المناخ (COP26)، عند انتهاء قمة المناخ في جلاسكو عام 2021

مضيفاً أنه «لن يكتب لهذا الهدف البقاء إلا إذا أوفينا بوعودنا وترجمنا التعهدات إلى خطوات عمل سريعة». وكان ذلك تشخيصاً متفائلاً حتى في ذلك الحين.

واليوم، وبعد مرور خمس سنوات، يتضح أن الفرصة الأخيرة لكبح الاحترار العالمي قد ضاعت بالفعل؛ لندخل رسمياً عصر «التجاوز المناخي».

على مدار أكثر من عقد، تم الاسترشاد في مجال العمل المناخي برقم واحد هو: 1.5. وهو سقف درجات الحرارة المئوية الذي يفترض ألا يتجاوزه ارتفاع متوسط الحرارة العالمي.

والآن، أعلن رسمياً أن هذا الهدف أصبح خارج النطاق، وفقاً لتقرير مهم أصدرته الأمم المتحدة. وهو إعلان جاء في وقته تماماً.

فقبيل انعقاد قمة باريس للمناخ عام 2015، قادت مجموعة من الدول الجزر الصغيرة مساعي بارزة للتوصل إلى اتفاق بعدم السماح بتجاوز سقف الاحترار العالمي حاجز 1.5 درجة مئوية.

وأوضحت تلك الدول أن السماح للحرارة بالارتفاع إلى درجتين سيؤدي إلى تداعيات كارثية عليها وعلى غيرها من الدول النامية الهشة.

وفي نهاية المطاف، ضم اتفاق باريس الرقمين معاً ضمن بند حاسم يلتزم بموجبه المجتمع الدولي بـ:«الحفاظ على ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين...

ومواصلة جهود الحد من ارتفاع الحرارة إلى سقف 1.5 درجة مئوية، إدراكاً بأن ذلك يقلل مخاطر التغير المناخي وآثاره بشكل كبير».

في البداية، كان كبح ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة يبدو ممكناً، لكن بصعوبة بالغة.

ففي عام 2018، قدرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أنه ليكون لدى العالم فرصة بنسبة الثلثين للإبقاء على الاحترار عند 1.5 درجة، يجب ألا تتجاوز الانبعاثات المستقبلية من ثاني أكسيد الكربون إجمالاً 420 جيجاطن.

أو ما يوازي حجم انبعاثات عقد كامل، بالمعدلات السنوية السائدة حينها. وأكدت الهيئة أن الهدف ممكن بشرط اتخاذ إجراءات سريعة لخفض الانبعاثات.

غير أنه مع مرور السنوات، واصلت الانبعاثات العالمية صعودها، وأدت لاستنزاف «الرصيد الكربوني» المتبقي بمعدل متسارع.

وأصبح خفض الانبعاثات اللازم ضمن هذه الحدود أمراً يصعب تخيله، حتى بالنسبة لأشد الناشطين المناخيين حماسة.

وفي عام 2022، وقع أكثر من 1000 عالم وأكاديمي رسالة مفتوحة تؤكد أنه «لا يوجد مسار عملي للوصول إلى سقف 1.5 درجة مئوية»، وأن التظاهر بعكس ذلك يضر بالعمل المناخي الجاد.

وهذا الأسبوع، توصل تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، بمشاركة العشرات من علماء المناخ حول العالم، إلى نتيجة مماثلة، حيث أكد التقرير أن «تجاوز عتبة الـ 1.5 درجة مئوية» أصبح «أمراً حتمياً».

فحتى إن أردنا الإبقاء على فرصة متكافئة بنسبة 50 % للإبقاء على الحرارة دون هذا الحد، لم يعد يتبقى من «الرصيد الكربوني» للعالم سوى 130 جيجاطن فقط.

والرصيد الكربوني هو إجمالي الحجم المتبقي من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الذي يسمح للأنشطة البشرية بإطلاقه قبل تجاوز خط الأمان المناخي.

وهو حجم انبعاثات ضئيل يكفي لثلاث سنوات فقط بمعدلات الاستهلاك والتلوث الحالية.

بعبارة أخرى، فإنه للبقاء ضمن هذا الحد، «يجب على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية أن تنخفض بشكل طردي ومباشر من مستويات عام 2025 إلى الصفر خلال 6 سنوات ونصف السنة تقريباً».

وطالما أثار الحديث عن التخلي عن هدف الـ 1.5 درجة مئوية اتهامات بالانهزامية. وقبل عقد، أو حتى في وقت لاحق، ربما كان ذلك الطرح منصفاً.

لكن الاستمرار في التظاهر بإمكانية إبقاء الاحتباس الحراري دون هذا المستوى بات الآن ضرباً من الجنون

فهو إنكار لحجم هذه المشكلة العالمية الحقيقي، وظلم لأولئك الأكثر عرضة لتأثيراتها، وهدية لمن يزعمون أن الجهود المبذولة لمعالجتها برمتها مبنية على التمني الساذج.

ويؤكد تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الاختراق الوشيك لسقف 1.5 درجة مئوية يشكل دافعاً لتعزيز جهود التخفيف والتكيف مع التغير المناخي، وليس للتخلي عنها.

ودعا التقرير إلى توسيع نطاق الدعم للملايين من «الدول والمجتمعات التي ستواجه خسائر غير قابلة للتدارك وظروفاً متغيرة بشكل دائم» عند هذه الدرجات المرتفعة.

وصرح تحالف دول الجزر الصغيرة، القوة المحركة الأصلية وراء هدف الـ 1.5 درجة، رداً على التقرير بأنه «لا يمكن لتجاوز الهدف أن يتحول إلى ذريعة لمزيد من التقاعس».

ورغم أننا سنتجاوز قريباً عتبة الـ 1.5 درجة مئوية، يوصي تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة بالإبقاء عليها كهدف طويل.

وبدأت آمال خفض الانبعاثات الكربونية العالمية على المدى القريب، والتي خابت بقسوة خلال السنوات التي تلت اتفاق باريس، تبدو أكثر واقعية الآن.

إذ إن الغالبية العظمى من قدرات توليد الطاقة الجديدة في العالم أصبحت تعتمد على المصادر المتجددة، ومبيعات السيارات الكهربائية تشهد نمواً متسارعاً مقابل تراجع السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي.

وهناك مؤشرات على أن الانبعاثات في الصين بدأت في الانحسار بالفعل، ما انعكس على الرقم العالمي للانبعاثات الذي سجل ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.2 % فقط في النصف الأول من هذا العام، وهو معدل يقل كثيراً عن وتيرة السنوات الأخيرة.

وفي كتابهما «التجاوز» الصادر عام 2024، أشار أندرياس مالم وفيم كارتون إلى طابع «غير واقعي» في تعاطي الحكومات مع هدف الـ 1.5 درجة مئوية؛ تمثل في الإشادة والحماس للهدف مع الإخفاق في اتخاذ أي إجراءات قريبة من التدابير اللازمة لتنفيذه.

وكتبا «عند نقطة معينة، انفصل هذا التفاؤل عن واقع الأزمة». لقد انتهت فرصة الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية دون تجاوز.

ومع ذلك، فإن آفاق وضع الانبعاثات في مسار تنازلي، بالتالي فإن الحد من الاحترار الإضافي، لم يكن هدفاً أكثر قابلية للتحقيق قط مما هو عليه اليوم. وسيكون هذا التوقيت مناسباً للحكومات، ولنا جميعاً، للتعاطي مع هذا الواقع الجديد.