كيف تستفيد بريطانيا من تجربة الصين والهند؟

رافي غورو مورثي-الرئيس التنفيذي لمجموعة Nesta الخيرية البريطانية المعنية بالابتكار

«استعادة السيطرة» كانت الشعار الأبرز في حملة الـ«بريكست»، إلا أنها تتحول اليوم إلى الفكرة المحركة لحكومة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام.

فقد تم طرح مقترحات بتأميم شركة «ثيمز ووتر» للماء، وإخضاع شبكات الحافلات المحلية للتنظيم الحكومي، كحلول لحماية المستهلكين من ارتفاع التكاليف وتدني مستوى الخدمة.

إلا أن تدخل الدولة لا يقتصر على الحماية فحسب، بل يمكنه أيضاً أن يكون صانعاً للثروة. فكما أظهرت التجربتان الهندية والصينية، فإن السيطرة الحكومية قادرة على تحفيز ديناميكية السوق بدلاً من مصادرتها، ما يمهد الطريق لولادة قطاعات صناعية ذات تنافسية عالمية.

في العام الماضي، تفوقت شركة السيارات الصينية «بي واي دي» على الأمريكية «تيسلا»، لتسجل أعلى مبيعات للسيارات الكهربائية على مستوى العالم. لم يكن لهذه السوق أن تنشأ لولا التشريعات الحكومية، والدعم المالي المباشر، وبناء البنية التحتية لمحطات الشحن.

لكن بدلاً من الاكتفاء بتنصيب «بي واي دي» كـ«بطل وطني» محتكر، خلقت الدولة الصينية مضمار سباق تكنولوجي محتدماً، جعل المنافسة الشرسة هي المحرك الأساسي للابتكار.

وهذا المزيج الفريد بين التدخل القوي للدولة لتحفيز الطلب، وآلية «الانتخاب الطبيعي» بين الشركات، هو ما صنع شركة تتصدر المشهد العالمي.

وتقدم الثورة الرقمية في الهند دليلاً آخر على دور التدخل الحكومي في تحفيز الابتكار.

اليوم، عندما تشتري خضروات من الباعة الجائلين هناك، تدفع ثمنها بمجرد مسح رمز الاستجابة السريعة (QR code)، دون أن يتحمل البائع أي رسوم. وبدلاً من ترك ساحة المدفوعات لسيطرة عملاقين مثل «فيزا» أو «ماستر كارد»، بنت الحكومة بنية تحتية رقمية عامة.

واليوم، تتنافس عشرات التطبيقات بحرية على هذه «السكك» الرقمية، لمعالجة أكثر من نصف مليار معاملة يومياً. وفي ظل غياب أي منصة تمتلك نفوذاً احتكارياً، يعجز أي وسيط عن فرض ضغوط مالية على المستهلكين أو التجار.

فما الدروس المستفادة من هذه التجارب؟ أولاً، لا ينبغي أن تقتصر السيطرة الحكومية على موقف دفاعي ينحصر في إنقاذ القطاعات التقليدية القديمة، بل في إدارة التحولات الهيكلية الضخمة، بدءاً من توجيه الذكاء الاصطناعي وصولاً إلى تحويل الاقتصاد نحو الطاقة النظيفة.

ثانياً، تتطلب العملية وجود «مهندسي أنظمة» يمتلكون خبرات فنية وتخصصية عميقة في المناصب القيادية، بدلاً من الإداريين العموميين في «وايت هول»، مقر الحكومة البريطانية.

ويجب أن يعمل هؤلاء الخبراء ضمن مؤسسات راسخة وقادرة على رسم التوجهات الاستراتيجية لقطاعات بأكملها، بالتنسيق الوثيق مع السلطات التنفيذية في البلديات والمحافظات.

وحتى في الحالات التي استحدثت فيها المملكة المتحدة دور «مهندس النظام»، مثل «مشغل نظام الطاقة الوطني» (NESO)، تظل سلطة اتخاذ القرار مجزأة بين مؤسسات حكومية متعددة ومستقلة، بدءاً من شركة «جريت بريتيش إنرجي» وصندوق الثروة الوطني، وصولاً إلى هيئة تنظيم أسواق الطاقة «أوفجيم» (Ofgem).

ثالثاً، يحتاج مهندسو الأنظمة إلى الصلاحيات والموارد الكافية لإحداث التغيير. فالتحولات الكبرى غالباً ما تعرقلها معضلة التنسيق الشهيرة بـ «البيضة أم الدجاجة».

على سبيل المثال، تعتمد السيارات الكهربائية على بنية تحتية للشحن، ولكن من يخاطر ببنائها في ظل عدم يقين بشأن مستوى الطلب؟ جاءت إجابة الحكومة البريطانية عبر فرض حصص إلزامية من السيارات خالية الانبعاثات، إلى جانب تقديم منح رأسمالية للبنية التحتية، ما قلل مخاطر الاستثمار في هذا المجال.

لكن التدخلات الحكومية خارج قطاع الطاقة ما زالت تفتقر إلى هذا الثقل والفاعلية.

رابعاً، تبرهن تجربتا الهند والصين أن السيطرة الحكومية يمكن أن تعزز التنافسية في السوق؛ وأنه من الأفضل كثيراً أن تحدد الدولة الاتجاه العام للسوق وأن تترك آليات المنافسة تفرز الرابح، بدلاً من أن تختار الدولة الفائز بنفسها.

أخيراً، يجب علينا إعادة النظر في هيكل التمويل. فمستثمرو القطاع الخاص في الأصول التي تحتكرها الحكومة غالباً ما يحققون عوائد مقابل مخاطر يتحملها القطاع العام في النهاية.

وكما أظهرت أزمة قطاع المياه، فإن الهيئات التنظيمية تتعرض للالتفاف على ضوابطها باستمرار.

ولذلك، قد تكون الملكية الكاملة للدولة خياراً أفضل. وحين تتدخل الدولة في صياغة السوق وتقليل المخاطر عبر عقود طويلة الأجل، ينبغي لها أن تشارك في العوائد والمكاسب الاستثمارية، من خلال امتلاك حصص ملكية على سبيل المثال.

بالنسبة لمؤيدي «بريكست»، وأيضاً بالنسبة لأندي بيرنهام اليوم، يظل شعار «استعادة السيطرة» مغلفاً بمسحة من الحنين إلى الماضي.

وقد يصلح الشعور بالمظلومية كشرارة للبداية، لكنه لا يصلح كرؤية لإدارة الحكم.

والدروس المستفادة من بنغالورو وشينزين تؤكد أن الدولة الحديثة قادرة على تقديم ما هو أكثر من مجرد استرداد صناعات الماضي، إنها قادرة على خلق أسواق جديدة وقيادة قاطرة الابتكار.

وهذه هي الصورة الحقيقية للسيطرة التي تستحق أن نستعيدها.