جون ثورنهيل
كانت صوفي فالييه، ابنة صاحب الفندق الشجاعة في بلدة «بان بوشان» الريفية الفرنسية، من أوائل من مارسوا «التسعير التجسسي» بدهاء.
وتقول الأسطورة المحلية إنه في عام 1814، توقف نابليون بونابرت في فندقها وطلب وجبة «أومليت»، وعندما قدمت له الفاتورة بمبلغ باهظ على نحو مفاجئ، تساءل نابليون مستغرباً عما إذا كان البيض نادراً في هذا الجزء من فرنسا، فأجابته فالييه بثقة «البيض يا سيدي؟ كلا.. ولكن الأباطرة؟ نعم!».
ولعقود طويلة، ظل هذا النمط هو الأسلوب السائد في معاملات البيع والشراء؛ حيث كانت الأسعار تتوقف على مدى قدرة المشتري على المساومة.
ويبدو أن نابليون لم يكن بارعاً في ذلك. ولم تنشأ سياسة الأسعار الثابتة والشفافة إلا تدريجياً، بعد أن وضع جون واناماكر بطاقات الأسعار المحددة لأول مرة في متجره بفيلادلفيا عام 1874.
غير أن هذه الممارسات القديمة تعود اليوم إلى الواجهة بأساليب مبتكرة في عصر الخوارزميات.
فإذا كان رصد الأباطرة المسافرين بقبعاتهم الشهيرة واستغلالهم أمراً يسيراً في الماضي، فإن الكميات الهائلة من البيانات الشخصية التي يجمعها «سماسرة البيانات» ويبيعونها بانتظام اليوم، تهدد بتحويلنا جميعاً إلى «أباطرة» غافلين يتعرضون للاستغلال السعري دون أن يدروا.
وعلى غرار أصحاب الفنادق القدامى، أصبحت الخوارزميات قادرة على حساب قدرتنا ورغبتنا، أو حتى اضطرارنا الشديد، لدفع ثمن سلعة أو خدمة ما، بالاعتماد على استنتاجات تستخلصها من موقعنا الجغرافي، وسلوكنا الشرائي، وبياناتنا المالية، والديموغرافية.
وقد يصب هذا التكتيك أحياناً في مصلحة المستهلك، لكنه في معظم الأحيان يعمل ضده.
فصحيح أننا قد نسعد بالحصول على خصومات الولاء في متجر المواد الغذائية الإلكتروني المفضل لدينا، لكننا سنشعر بالغضب الشديد إذا رفعت شركة طيران سعر التذكرة فجأة لمجرد علمها بأننا مضطرون للسفر لحضور جنازة.
وفي الشهر الماضي، حذرت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية شركات التجزئة والاستهلاك من الممارسات الجائرة أو المضللة عند تطبيق سياسة «الأسعار المخصصة للأفراد».
وأكدت اللجنة أن «تحمل المستهلك سعراً أعلى بسبب التسعير المخصص قد يلحق به ضرراً كبيراً».
ورغم اعترافها بنقص الأدلة التي تحدد مدى انتشار هذه الممارسة بدقة، فقد تعهدت اللجنة بفرز واستخدام كل أدواتها التنفيذية المتاحة لحماية المستهلكين.
يعد هذا الخطاب الصارم من الهيئات التنظيمية خطوة مرحباً بها، إلا أن الأفضل هو التطبيق الحاسم لقوانين التجارة العادلة لأنه سيكون أكثر فاعلية، بالنظر إلى ضعف الدفاع عن مبادئ منع الاحتكار خلال هذا القرن.
والتحدي البالغ الصعوبة يكمن في تحديد الموعد الذي يقع فيه المستهلك ضحية لهذا التمييز السعري؛ إذ غالباً ما تجمع بياناته الشخصية وتباع دون علمه. فضلاً عن أن أسعار السلع والخدمات المتطابقة قد تتذبذب بفوارق شاسعة حتى في اليوم نفسه.
فقد كشفت أبحاث أجراها مركز الفكر «جراوند وورك كولابوراتيف» أن سعر طبق البيض على منصة «إنستاكارت» كان يتفاوت بنسبة تصل إلى 23 %، علماً أن الشركة أوضحت أن اختبارات الأسعار لديها لم تعتمد على بيانات شخصية وقامت بإنهائها لاحقاً. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما سر الارتباط العجيب بين البيض والتسعير المبالغ فيه؟
وبإمكان المتسوقين الحذرين استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، وضع التصفح الخفي، مواقع مقارنة الأسعار، ووكلاء الذكاء الاصطناعي للبحث عن أفضل سعر ممكن.
إلا أنه لا ينبغي إجبار المستهلكين على الدخول في مفاوضات ومساومات شاقة مع آلات وخوارزميات عملاقة؛ فمن حقهم الطبيعي التطلع إلى نظام يتعامل معهم بقدر من العدالة والشفافية.
وفي ظل الغضب الشعبي الراهن من أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة، تحول «التسعير التجسسي» إلى قضية سياسية ساخنة في أمريكا، ويسارع المشرعون على المستويين الولائي والفيدرالي لسد الثغرات القانونية.
وفي هذا العام وحده، تم تقديم وإقرار أكثر من 40 مشروع قانون في 24 ولاية ومدينة للتصدي لهذه الممارسة.
فقد أقر المجلس التشريعي في ولاية نيويورك بالفعل قانون «السعر العادل الواحد»، والذي ينتظر حالياً توقيع الحاكمة كاثي هوكول ليدخل حيز التنفيذ.
ولا يقتصر هذا الحراك على الديمقراطيين فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجمهوريين الشعوبيين.
إذ ندد جوش هولي، السيناتور الجمهوري عن ولاية ميزوري، بالتسعير التجسسي واصفاً إياه بأنه «واحدة من أكبر عمليات الاحتيال في التاريخ الأمريكي»؛ لأنه يجسد «الثالوث المقيت»: التجسس على الناس، واستغلالهم المالي، وسلب وظائفهم.
والشهر الماضي، استمعت اللجنة الفرعية للقضاء في مجلس الشيوخ، التي يرأسها هولي، إلى شهادات خبراء في هذا الشأن، ليخلص إلى أن التحرك الحاسم بات ضرورة ملحة لحماية القواعد الأخلاقية للاقتصاد.
إن التمييز السعري، حاله حال التكنولوجيا، ليس خيراً مطلقاً ولا شراً محضاً، ولكنه ليس محايداً بأي حال.
والأكيد هنا هو وجود خلل هائل في تكافؤ المعلومات بين البائع والمشتري عبر الإنترنت، ما يفتح الباب واسعاً أمام الاستغلال.
وبينما قد يحقق «التسعير الديناميكي»، الذي تستخدمه شركات نقل الركاب عبر التطبيقات لجذب المزيد من السائقين في أوقات الذروة، فائدة للمستهلكين، فإن «التسعير التجسسي» الذي يهدف إلى استخلاص أقصى ربح ممكن عبر استغلال الفجوة في المعلومات لا يقدم أي ميزة لهم.
ويظل إقرار قانون فيدرالي لحماية الخصوصية يكرس حقوق البيانات الشخصية الضمانة المثلى لحماية المستهلك؛ غير أن احتمال حدوث ذلك في عهد إدارة ترامب يبدو بعيد المنال بقدر احتمال تخلي الرئيس عن ممارسة لعبة الغولف! وفي غياب مثل هذا التشريع، يتوجب على جمعيات حماية المستهلك والمشرعين والهيئات التنظيمية مواصلة الضغط لضمان اعتماد أسعار عادلة وشفافة؛ إذ إن هذا المبدأ الحديث يستحق الدفاع عنه بكل قوة.