ستيفن فولي
لولا المطالبة الصريحة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكان المقترح الذي قدمته الجهات التنظيمية الأمريكية بإلغاء إلزامية التقارير المالية ربع السنوية للشركات في حكم الميت.
فقد قوبلت الخطة الصادرة عن هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية بموجة غير مسبوقة من الرفض والمعارضة من صغار المستثمرين، والمستثمرين المحترفين، والجمعيات التجارية والهيئات الحقوقية، بل ومن بعض الشركات نفسها.
وكانت أكثر من 99 % من الخطابات التي أرسلها المعترضون ترفض منح الشركات خيار الاكتفاء بنشر تقارير نصف سنوية.
وتركزت معظم الاعتراضات الحادة على أن المقترح قد يؤدي إلى إفصاحات مجتزأة، وغير منتظمة، فضلاً عن تأخر البيانات المالية الأساسية.
وكان «مجلس المستثمرين المؤسسيين» من بين المعارضين الذين سلطوا الضوء على إشكالية أخرى لا تقل خطورة، وهي المخاطر التي تهدد مبدأ «القابلية للمقارنة»، الذي يعد ركناً رئيسياً في كفاءة الأسواق المالية.
وكتب جيف ماهوني، المستشار العام لمجلس المستثمرين المؤسسيين أن «توفير معلومات دقيقة ومحدثة وقابلة للمقارنة من كل الشركات الملزمة بالإفصاح يتيح للمستثمرين لمدد طويلة اتخاذ قرارات استثمارية وقرارات بالتصويت أكثر حكمة ودقة».
وأضاف أن هذا الأمر يعزز عدالة تقييمات الأسواق، ما يؤدي بالتبعية إلى «توجيه وتخصيص رأس المال داخل الاقتصاد الأمريكي على نحو أكثر كفاءة».
وإذا ما تم إقرار مقترح هيئة الأوراق المالية والبورصات، فقد نشهد سريعاً حالة من التخبط والتفاوت الشديد في ممارسات الإفصاح المالي.
إذ أكدت بعض الشركات أنها ستتوقف تماماً عن إشهار تقاريرها ربع السنوية، في حين أبدت الشريحة الأكبر نيتها الإبقاء على الوضع الراهن، على الأقل في الوقت الحالي، لاستقراء الاتجاه العام للأسواق.
وبحسب استطلاع أجرته شركة «كي بي إم جي» (KPMG)، تتوقع نحو نصف الشركات اكتفاءها بنشر بيانات صحفية موجزة عن أرباحها، أو الاكتفاء بإفصاحات انتقائية عن مؤشرات الأداء بشكل ربع سنوي.
ووجه ستيفن بيرجر، من صندوق التحوط «سيتادل»، تحذيراً إلى هيئة الأوراق المالية قائلاً: «عندما تتفاوت فترات الإفصاح الدوري، يتحمل المستثمرون تكاليف أعلى لمعالجة البيانات وتفسيرها، ويواجهون صعوبة أكبر في تقييم الأداء المقارن بين الشركات والقطاعات والفرص الاستثمارية».
وأضاف بيرجر مؤكداً على بُعد أكثر شمولاً وهو أن «تراجع القابلية للمقارنة يضر بعمليات بناء المحافظ الاستثمارية، وتحديد معايير القياس المرجعية، وقرارات توزيع رؤوس الأموال».
غير أن مخاوف أعضاء مجلس المستثمرين المؤسسيين وعملاء صندوق «سيتادل» بشأن مبدأ القابلية للمقارنة لا تقف عند حدود مقترح التقارير ربع السنوية فحسب؛ إذ ربما لم يلتفت كثير من المستثمرين إلى مقترح آخر طرحته الهيئة بمسمى يبدو تقنياً ومعقداً وهو: «تعزيز التسهيلات الممنوحة لشركات النمو الناشئة وتبسيط تصنيف الشركات الملزمة بالإفصاح».
وهو مقترح قد يضعف قدرة المستثمرين بدرجة كبيرة على إجراء مقارنات دقيقة بين الشركات المختلفة.
لأن هذه «التسهيلات المعززة» ستسمح لأكثر من 80% من الشركات الأمريكية باختيار نظام إفصاح موجز ومبسط، وهو النظام المتاح حالياً وحصرياً للشركات حديثة الطرح في البورصة أو الكيانات الصغيرة.
والملاحظ أن الإفصاحات التي قد تتنصل منها الشركات ليست ثانوية، كما أن الشركات التي ستمنح هذه الحرية الجديدة ليست بالشركات الهامشية؛ حيث سيتاح لكل شركة تبلغ قيمة أسهمها أقل من ملياري دولار الاستفادة تلقائياً من هذه التسهيلات.
علاوة على ذلك، ستتمكن أي شركة تطرح أسهمها للاكتتاب العام من اعتماد نظام التقارير المختصر خلال سنواتها الخمس الأولى في السوق، حتى وإن كانت من العمالقة من طراز «أنثروبيك» أو «أوبن إيه آي»، وهي الكيانات التي سرعان ما استحوذت على حصص لها وزنها في صناديق المؤشرات المتتبعة للأسواق.
وتتضمن الإفصاحات التي يمكن لهذه الشركات إسقاطها، تفصيل توزيع الإيرادات والتكاليف المتعلقة بالمنتجات والخدمات، وتفاصيل المعاملات مع الأطراف ذات العلاقة، إضافة إلى بعض المتطلبات المتعلقة بعرض تفاصيل الأداء المالي للشركات والأعمال الأخرى التي تمتلك فيها حصصاً رئيسية أو مؤثرة.
فضلاً عن ذلك، ستمنح الشركات حديثة الإدراج مهلاً إضافية لتطبيق المعايير المحاسبية الجديدة.
ما يعني أن الشركات المتنافسة داخل القطاع الواحد قد تتبنى معالجات محاسبية مختلفة لقضايا شائكة وحساسة يحسمها عادة «مجلس معايير المحاسبة المالية»، مثل الأصول الرقمية أو الاستثمارات في مراكز البيانات.
في الوقت نفسه، يمضي رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، بول أتكينز، قدماً في مراجعة وتعديل القواعد المنظمة للإفصاح عن عوامل المخاطر والمشكلات غير المالية الملزمة حالياً.
بل إن استطلاع الآراء الذي أجرته الهيئة تضمن سؤالاً عابراً حول ما إذا كان ينبغي إلغاء إجبار الشركات الصغيرة على استخدام لغة الإفصاح المالي الموسعة «إكس بي آر إيل» (XBRL).
وهو نظام الترميز الموحد الذي يجعل البيانات المالية في التقارير قابلة للقراءة آلياً، ويعد من الابتكارات التقنية التي حظيت بإشادة واسعة خلال العقد الماضي.
وإذا كان المستثمرون يستشعرون القلق من أن مبدأ القابلية للمقارنة في التقارير المالية للشركات الأمريكية بات مهدداً، فيجب عليهم خوض مواجهة على جبهات متعددة لحمايته والدفاع عنه.