مات كينج- خبير في الاستراتيجيات الكلية والائتمان ومؤسس شركة «ساتوري إنسايتس»
ربما كانت الحركتان الأكثر إثارة للاهتمام في الأسواق المالية الأمريكية هذا العام هما الارتفاع الكبير في عوائد السندات، وفي الوقت نفسه القوة الاستثنائية التي أظهرتها أسواق الأسهم. لكن المفارقة الأكبر هي أن ارتفاع عوائد السندات لم يؤد، حتى الآن، إلى زعزعة أسواق الأسهم.
يرى المستثمرون المتفائلون أن الحركتين تعكسان عاملاً واحداً، القفزة الاستثنائية في أرباح الشركات.
ووفقاً لهذه الرواية، فإن ارتفاع العوائد الحقيقية يعكس توقعات بنمو اقتصادي طويل الأجل مدفوعاً بطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وليس مخاوف بشأن التضخم أو المالية العامة.
وإذا ظلت الأرباح أعلى من مستوياتها التاريخية، فإن أسعار الأسهم الحالية لا تبدو مبالغاً فيها، بل تعكس أرباحاً مستقبلية أعلى.
ويذهب الأكثر تفاؤلاً إلى أن هذا النمو قد يساعد أيضاً على تقليص العجز الحكومي مستقبلاً، من خلال زيادة الإيرادات الضريبية.
وهذه الرواية لها ما يدعمها، إذ إن ارتفاع عوائد السندات جاء مدفوعاً بالعوائد الحقيقية، لا بارتفاع توقعات التضخم المسعرة في الأسواق.
لكنها لا تجتاز ثلاثة اختبارات مهمة: فهي لا تفسر الضغوط الظاهرة بالفعل في قطاعات الائتمان التي تمول طفرة الذكاء الاصطناعي، ولا الانتعاش المتزامن في الصفقات التي تراهن على ضعف الدولار، كما أنها تتجاهل السؤال الأهم: من يمول هذا الإنفاق، وبأي تكلفة؟
ترتبط العوائد الحقيقية ومعدل الفائدة الطبيعي، بالنمو عموماً، لكن الأدق أن رغبة القطاع الخاص في الاقتراض هي التي تدفع الاثنين معاً. وقد تغيرت هذه الرغبة بصورة هائلة خلال السنوات الثلاث الماضية.
ولتمويل مركز بيانات، هناك ثلاث وسائل رئيسية: استخدام السيولة النقدية الخاصة، أو ضمان تمويل طرف آخر ليتمكن من الاقتراض، أو الاقتراض مباشرة.
وقد مرت طفرة الذكاء الاصطناعي بهذه المراحل الثلاث بالترتيب نفسه تقريباً.
في البداية، اعتمد الإنفاق بدرجة كبيرة على السيولة المتاحة لدى الشركات العملاقة.
وبحلول عام 2020، كانت مايكروسوفت وألفابت وأمازون وميتا تمتلك معاً نحو 200 مليار دولار من السيولة النقدية المتراكمة، فضلاً عن توليدها نحو 650 مليار دولار سنوياً من التدفقات النقدية التشغيلية.
أتاح ذلك ميزتين مهمتين: أولاً، تمويل الإنفاق الرأسمالي بعيداً نسبياً عن تكلفة رأس المال في السوق.
وثانياً، الحصول على فوائد هذا الإنفاق من دون الضغوط التصاعدية على أسعار الفائدة التي كان يمكن أن يسببها تمويله بالائتمان.
مع تحول هذه الطفرة مباشرة إلى نمو في إيرادات الموردين، وبشكل غير مباشر إلى مكاسب لبقية القطاعات الاقتصادية، يميل المستثمرون بطبيعتهم إلى افتراض استمرار هذا الزخم.
لكن النقد ليس مورداً لا ينفد. ومع استمرار الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق وشبكات الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بدأت الشركات تنتقل إلى التمويل بالائتمان.
وتشير تقديراتي إلى أن التدفق النقدي الحر لشركات الحوسبة السحابية العملاقة انخفض حالياً إلى الصفر تقريباً.
رغم ذلك، فإن قوة الأرباح والميزانيات العمومية تجعل انتقالها من التمويل النقدي إلى الاقتراض يبدو لمستثمري الأسهم تفصيلاً هامشياً.
صحيح أن إصدارات شركات التكنولوجيا من السندات ضخمة، لكنها لا تزال صغيرة مقارنة بحجم الاقتراض الحكومي.
غير أن التركيز على الحجم وحده يفوت النقطة الأساسية، فالمهم ليس مقدار الاقتراض فقط، بل مدى حساسية المقترض لتكلفته.
في الظروف العادية، يؤدي ارتفاع العوائد إلى تراجع إصدار الشركات للأسهم وتأجيل بعض مشاريعها، لأن ارتفاع تكلفة رأس المال يكبح الطلب على الائتمان. لكن شركات التكنولوجيا الكبرى تسير عكس هذا الاتجاه.
فهي مستعدة للاقتراض على نطاق واسع حتى مع ارتفاع التكلفة، لأن الرهان على العوائد المستقبلية للذكاء الاصطناعي يجعل تكلفة التمويل الحالية تبدو أقل أهمية.
وعندما تقترض الشركات بكثافة ولا تبدي اهتماماً كبيراً بتكلفة الاقتراض، فإنها تضغط على تكلفة التمويل بالنسبة إلى الجميع، من مقترضي التمويل العقاري إلى الشركات الأخرى والحكومات.
وما دام سوق الأسهم يواصل مكافأة هذا السلوك، فمن الصعب توقع توقفه سريعاً.
لهذا، لا ينبغي تفسير ارتفاع عوائد السندات تلقائياً باعتباره دليلاً على اقتصاد أكثر صحة. فقد يعكس أيضاً زيادة هائلة في الطلب الخاص على رأس المال.
ولن يتوقف هذا المسار في نهاية المطاف إلا إذا انكسرت موجة التفاؤل بشأن العوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، سواء بسبب المخاوف من فائض الطاقة الإنتاجية وتآكل هوامش الربح، أم نتيجة التداعيات الأوسع لارتفاع أسعار الفائدة.
وحتى الآن، لم تفعل القفزة الكبيرة في العوائد الحقيقية ما كانت تفعله في الدورات السابقة، أي سحب السيولة من الأصول الخطرة وإنهاء الدورة الاستثمارية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأرباح أصبحت مرتفعة بصورة استثنائية، بل يعكس الطريقة غير المعتادة التي مولت بها طفرة الذكاء الاصطناعي نفسها حتى الآن: أولاً بالسيولة النقدية، ثم بالضمانات، والآن بصورة متزايدة بالائتمان.
وتتكرر الفقاعات المالية بالطريقة نفسها: أثناء تشكلها، ينصب الاهتمام على ما الذي يشتريه المستثمرون، لكن بعد انفجارها يتضح أن السؤال الأهم كان كيف تم تمويل كل ذلك؟