انتعاش التصنيع الأمريكي لا علاقة له برسوم ترامب

تيج باريخ
تشهد الصناعة الأمريكية بوادر انتعاش. فبعد ستة أشهر من التوسع، ارتفع نشاط المصانع إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من أربع سنوات في يوليو. 

وحتى الآن، ارتفع الإنتاج هذا العام بشكل طفيف، وتم استحداث نحو 30 ألف وظيفة جديدة، وفي هذا الشهر فقط، كشفت شركات عملاقة مثل سيمنز وأمازون وإس كيه هاينكس عن خطط استثمارية ضخمة.

وبالنسبة لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، يعد هذا دليلاً على أن «نهضة» الصناعة الأمريكية التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمدعومة بالحمائية، بدأت تتجسد.

وفي حديثه في مصنع جنرال موتورز في ميشيجان في يوليو، قال ترامب إن «تعريفاته الجمركية التاريخية» تنعش المراكز الصناعية الرئيسية في البلاد.

لكن هذا الادعاء يعد قراءة مضللة للبيانات؛ فالصناعة الأمريكية تنتعش رغم الإجراءات الحمائية التي اتخذها الرئيس، وليس بفضلها. كما أن هذا الازدهار لا يشبه إلى حد كبير ما وعد به.

بداية، يرجع التوسع في الإنتاج الصناعي منذ بدء الولاية الثانية لترامب إلى طفرة طلب استثنائية في قطاعين رئيسيين، وليس نتيجة إعادة توطين الصناعات بسبب الرسوم الجمركية.

القطاع الأول هو المنتجات الإلكترونية وأجهزة الكمبيوتر، بما يشمله من شرائح ومعالجات تغذي طفرة الذكاء الاصطناعي.

أما القطاع الثاني فهو الطيران والفضاء، حيث يتم العمل على تلبية الطلبيات المتراكمة للطائرات، خاصة لدى شركة «بوينج»، في وقت تسهم فيه النزاعات العالمية في زيادة الطلبات الدفاعية.

كما ساهم الطلب على مكونات بناء مراكز البيانات، مثل المحولات ومعدات التبريد والإسمنت، في دعم مجمل الإنتاج الصناعي الأمريكي.

والأهم من ذلك أن مدخلات الذكاء الاصطناعي وقطاع الطيران استفادت من استثناءات واسعة من برامج الرسوم الجمركية المختلفة التي فرضتها الإدارة. في المقابل، أظهرت بيانات جمعها سكوت لينسيكوم، نائب رئيس «معهد كاتو»، أن القطاعات التي واجهت أعلى معدلات الرسوم، مثل المنسوجات والأثاث والأخشاب، لم تسهم سوى بقدر ضئيل في إجمالي الإنتاج، أو انكمشت بالفعل.

وبالفعل، أشار مصنعون بانتظام في تقارير أرباحهم، منذ تنصيب ترامب لولاية ثانية، إلى الضغوط التي فرضتها الرسوم على هوامش أرباحهم، سواء بشكل مباشر أو عبر سلاسل التوريد المحلية.

وهناك مؤشر آخر يربك أنصار الرسوم الجمركية؛ فلو كانت الرسوم هي المحرك الحقيقي لطفرة إعادة التوطين الصناعي، لكان المتوقع أن يحل الإنتاج المحلي محل الواردات.

غير أن تعافي قطاع التصنيع تزامن في واقع الأمر مع ارتفاع ملحوظ في المشتريات من الخارج. وقوة الواردات الأمريكية منذ يناير 2024 سببها الطلب المرتفع على المكونات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وقد يكون توقيت طفرة التصنيع هذا العام الدليل الأكثر إدانة لتوجهات أنصار الحماية.

إذ قفز الإنتاج منذ يناير بالتزامن مع انخفاض المعدل الفعلي للرسوم الجمركية وتراجع حالة عدم اليقين التجاري، عقب قرار المحكمة العليا في فبراير إلغاء الجزء الأكبر من رسوم «يوم التحرير» التي فرضها ترامب.

لا يعني ذلك أن الرسوم الجمركية لم تحقق أياً من المنافع التي طالما تباهى بها ترامب. إذ قد يرجع النزر القليل من الوظائف المستحدثة هذا العام إلى حماية بعض القطاعات المحدودة من المنافسة الأجنبية.

كما دفعت الرسوم بعض الشركات إلى الالتزام ببناء مصانع داخل الولايات المتحدة.

رغم ذلك، غالباً ما تظل التعهدات الاستثمارية البراقة غير مضمونة التنفيذ، في الوقت الذي واصل فيه الإنفاق الخاص السنوي على تشييد المصانع الجديدة تراجعه منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.

ويقول لينسيكوم: «إن توسيع شبكات الذكاء الاصطناعي، وتراكم طلبيات الطائرات، والإعفاءات الضريبية على النفقات الرأسمالية ضمن مشروع القانون الكبير والجميل، هي العوامل الحقيقية التي تقود الطفرة الصناعية الحالية في الولايات المتحدة، في حين كانت الرسوم الجمركية عقبة في الأغلب».

ومن الضروري تصحيح هذا الطرح؛ إذ أشارت تقارير حديثة إلى أن الإدارة تدرس فرض رسوم جديدة على أشباه الموصلات، وهو ما لن يؤدي سوى إلى عرقلة القطاع الذي يسهم حالياً في دفع الإنتاج الصناعي الأمريكي.

ورغم كل شيء، فليس مستغرباً أن يستغل البيت الأبيض الأرقام الإجمالية للترويج لإنجازاته قبل انتخابات التجديد النصفي.

لكن المفارقة تكمن في أن التعافي الصناعي الذي تتغنى به الإدارة ليس هو التعافي الذي وعدت به.

فحتى مع تعافي هذا العام، يقل عدد الوظائف الصناعية بمقدار 82 ألف وظيفة مقارنة بمستواه عند بدء ولاية ترامب الثانية.

ولم تعد خطوط الإنتاج كثيفة العمالة التي وعد بها فريق الرئيس إلى العمل.

بل تحول التركيز إلى الإنتاج التكنولوجي المتقدم الذي تعتمد فيه الآلات على أجزاء مستوردة وفي صناعات تتطلب عمالة ماهرة.

في المحصلة، أثبتت الرسوم الجمركية أنها أداة قاصرة عن إحياء رؤية ترامب الحالمة لقطاع التصنيع. وأن الصناعة الأميركية أظهرت مرونة رغم هذه التعريفات، بل كانت ستكون أقوى لولاها.