حملة أمريكية محمومة لاستعادة السياح الكنديين

فيرينا هولزل
في خضم إحدى أكثر عطلات نهاية الأسبوع توتراً في تاريخ العلاقات الأمريكية الكندية الحديثة، شعرت ريبيكا شابيرو بحسن الحظ لأنها تحمل جواز سفر كندياً. 

كانت الشابة البالغة من العمر 33 عاماً تقضي عطلتها في نيويورك عندما انهارت المحادثات التجارية بين زعيمي البلدين وسط خلافات حادة.

إلا أنها تمكنت من توفير مئات الدولارات في العديد من الوجهات السياحية بالمدينة، بفضل حملة تسويقية تهدف لاستقطاب الكنديين الساخطين للعودة إلى المدينة.

في المقابل، عبّرت شقيقة شابيرو المقيمة في مونتريال عن انزعاجها الشديد من عدائية إدارة ترامب تجاه كندا، مؤكدة رفضها القاطع لزيارة الولايات المتحدة، إلا أنها قالت «أنا لا أؤمن بفكرة حرمان الآخرين من إنفاقي على السياحة».

ومع تدهور العلاقات بين الحليفين التقليديين، والذي بدأ مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، وبلغ ذروته عقب إعادة تسمية «بحيرة أونتاريو» بـ«بحيرة أمريكا»، سارعت مدن ومناطق أمريكية بإطلاق «حملة تودد» للجارة الشمالية، في محاولة محمومة مضادة للخطاب العدائي لرئيسهم.

وعلى مدار أشهر، تحمّل الكنديون وطأة تصريحات الإدارة الأمريكية. إذ كرر ترامب تهديداته بضم كندا لتصبح الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، فضلاً عن إرباك التبادل التجاري عبر فرض رسوم جمركية على الصلب والسيارات، ما دفع أوتاوا إلى التلويح بفرض رسوم انتقامية مماثلة.

لكن الأجواء في نيويورك تبدو مختلفة تماماً، حيث يجيد الجميع الكفاح من أجل «الدولار» أو «اللوني»، التسمية الشعبية للدولار الكندي.

وعلى مدار ثلاثة أسابيع هذا الصيف، قدمت قطاعات وأنشطة تجارية مختارة حسومات مجزية على الفنادق ورحلات الطيران والمطاعم والمعالم السياحية في إطار مبادرة عرفت باسم «عروض الجار الشمالي».

ولم تقتصر هذه الجهود على التخفيضات المالية، بل شملت لفتات تقديرية أخرى؛ ففي «يوم كندا» الموافق الأول من يوليو، أضيئت معالم رئيسية في المدينة، بينها مبنى «إمباير ستيت»، باللونين الأحمر والأبيض احتفاء بألوان العلم الكندي.

كما أعلن الموقع الرسمي للسياحة في ولاية نيويورك بوضوح: «نيويورك تحب كندا.. نحن محظوظون بوجود جيران مثلكم!».

ولم تقتصر حملة الترويج السياحي على مدينة نيويورك فقط. ففي لاس فيجاس، تقدم الفنادق للكنديين عرض «فيجاس بسعر صرف 1:1»، وهو سعر صرف مناسب.

وفي ولاية فيرمونت، وجّه منتجع للتزلج رسالة مفتوحة إلى الكنديين، حيث أعرب ستيف رايت، المدير العام لمنتجع «جاي بيك»، الذي سبق له الإدلاء بشهادته أمام الكونجرس حول الآثار السلبية للرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، عن تفهمه لأسباب تراجع رغبة الكنديين في السفر إلى الولايات المتحدة في الوقت الراهن.

وكتب رايت: «رغم أننا لا نرغب في إملاء الآراء على أحد بشأن الرسوم الجمركية أو السياسات التجارية أو السجالات السياسية، إلا أن لدينا موقفاً رافضاً لكل ما يزرع الجفاء بين الجيران الطيبين.. هذا الأمر لا يعجبنا».

غير أن هذه الجهود الترويجية اصطدمت بمنشور أطلقه ترامب عبر منصة «تروث سوتشال» الأسبوع الماضي، قال فيه بلهجة حادة: «لسنا بحاجة إلى كندا، بل هم من يحتاجون إلينا!».

إلا أن القائمين على القطاع السياحي في مختلف أنحاء الولايات المتحدة يتملكهم شك عميق تجاه هذا الطرح.

فخلال العام الماضي، تراجع عدد الزوار الكنديين للولايات المتحدة بنسبة 25% مقارنة بعام 2024، مقابل ارتفاع حركة سفر الأمريكيين إلى كندا.

ووفقا للحكومة الكندية تراجع إنفاق مواطنيها على السفر إلى الولايات المتحدة انخفض بمقدار 3.3 مليارات دولار كندي في عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه.

وأشار فارون ديدوانيا، الشريك المؤسس لشركة «فايرال فود تورز» لتنظيم الجولات الغذائية في نيويورك، والذي رافق شابيرو وعائلتها في جولة استكشافية، إلى أن الكنديين كانوا يشكلون ما بين 30% و40% من قاعدة زبائنه، مضيفا: «أما في الآونة الأخيرة، فقد هبطت نسبتهم إلى ما يقارب 10% فقط».

ونظراً للقرب الجغرافي، حيث لا تبعد الحدود سوى ست ساعات بالسيارة عن نيويورك، يمثل الكنديون تاريخياً ثاني أكبر شريحة من زوار المدينة بعد السياح البريطانيين.

وبحسب بيانات مكتب رئيس بلدية نيويورك، أنفق السياح الكنديون أكثر من مليار دولار في المدينة خلال عام 2024.

ورغم أن حركة السفر الكندية إلى الولايات المتحدة بدأت في التعافي تدريجياً من أدنى مستوياتها المسجلة في عام 2025 خلال الربع الثاني من العام الجاري، إلا أن التوترات الأخيرة أعادت الزخم لحركة «ارفعوا الأكواع»، وهي صيحة حماسية مستوحاة من لعبة هوكي الجليد، الرياضة الوطنية في كندا، التي تدعو إلى مقاطعة المنتجات الأمريكية ورحلات السفر للولايات المتحدة.

من جانبها، تحاول جولي كوكر، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة «نيويورك سيتي للسياحة والمؤتمرات»، وهي الجهة المسؤولة عن تقديم التخفيضات للمسافرين الكنديين، الحفاظ على نبرة تفاؤلية، حيث قالت: «تمر العلاقات السياسية بفترات مد وجزر، ونحن جاهزون لاستقبال زوارنا متى ما رغبوا في العودة كما كانوا في السابق».

لكن القطاعات التجارية باتت تتكبد بالفعل تكلفة هذه التوترات العابرة للحدود.

إذ يذكر مارك بيلو، مالك مدرسة «بيتزا سكول» في نيويورك، أنه لم يتلقَ سوى حجز واحد فقط عبر مبادرة «عروض الجار الشمالي» حتى الآن، موضحاً أنه يشارك في التخفيض دعما لروح المبادرة: «نحن نحب الكنديين، ونأمل بحق في الترحيب بهم مجدداً».

على الضفة الأخرى من الحدود، تسود حالة من التحدي والرفض؛ إذ يواصل جارد بوردي (66 عاماً)، وهو أستاذ في إحدى كليات التكنولوجيا والتعليم المستمر في تورونتو، مقاطعة الولايات المتحدة كوجهة سياحية منذ تولى ترامب منصبه لأول مرة عام 2016. بل إنه يعيد أي منتج إلى رفوف متجر البقالة فور اكتشافه أنه صنع في أمريكا.

ولا ينوي بوردِي التراجع عن مقاطعته في أي وقت قريب، قائلاً بنبرة حازمة: «تريدون أموالنا، ولكن ماذا تفعلون لتغيير التبعات التي تسببتم بها أنتم وناخبوكم لنا وللعالم أجمع؟ أصلحوا الفوضى التي أحدثتموها أولا، ثم نتحدث بعد ذلك».