بقلم: كاتي مارتن
بلغة بسيطة وبعيدة عن تعقيدات المصطلحات الاقتصادية، يتم ترجمة مفهوم «القمع المالي» الرنان والفخم بأنه يشبه توجيه مسدس نحو رأس شخص ما وإرغامه على شراء سنداتك. وبالطبع، ليس من المفترض التعامل مع هذا الوصف حرفياً.
رغم ذلك، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أسبوع إلى هذا المعنى بدقة، فعندما سئل عن الجهود الأخيرة التي بذلها وزير الخزانة سكوت بيسينت لدعم أسواق السندات الحكومية الأمريكية، قال الرئيس بأسلوب عابر إن توسيع عمليات إعادة شراء السندات التي يقوم بها وزير الخزانة يمثل «نوعاً من التدخل»، مضيفاً أن «التدخل الأقصى هو استخدام قواتنا العسكرية، وإذا اضطررنا لاستخدامها فسنفعل».
ويبدو أن المحللين والمستثمرين كان لديهم استعداد للتغاضي عن هذا التصريح الجامح، وهو أمر لا يمكن تخيله لو صدر عن لسان أي رئيس لأي دولة أخرى في التاريخ.
وتذكروا هذا التصريح في المرة المقبلة عندما يخبركم أحد أن «الميزة المفرطة» التي تتمتع بها أمريكا قد ولت، أو أن دورها كحام لأهم الأصول الآمنة وعملة الاحتياطي العالمية الأولى أصبح عبئاً.
فكما هو الحال مع رئيسها الحالي، تنجح الولايات المتحدة ببساطة في الإفلات بأمور في أسواق المال لا يمكن لأي دولة أخرى أن تفلت بها.
غير أن فكرة إجبار المستثمرين غير الراغبين في ابتلاع السندات الحكومية الأمريكية، سواء عبر الإكراه أم التنظيمات القسرية أم الوسائل الأخرى، أصبحت تؤخذ على محمل الجد بشكل متزايد، إذ تشكل إحدى أساليب فرض الإرادة الحكومية في مواجهة سوق السندات. في المقابل، تواجه التكتيكات الأخرى لخفض تكاليف الاقتراض صعوبات جمة.
ولعل التكتيك الأكثر دهاءً يتلخص في ممارسة نوع من الإيحاء المعنوي والنفوذ النفسي، على غرار ما فعله رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراجي عام 2012، عندما تمكن آنذاك من خفض تكاليف الاقتراض في خضم أزمة الديون بمجرد تصريحه الشهير بأنه سيفعل «كل ما يلزم» لإنقاذ اليورو.
وحتى اليوم، تظل تكاليف الاقتراض في فرنسا، على سبيل المثال، أقل بكثير مما قد تكون عليه بفضل التهديد، مجرد التهديد وليس التنفيذ، بالتدخل الحاسم لخفض تكاليف الاقتراض خلال الأزمات. إلا أن هذا الأسلوب يتطلب مصداقية راسخة كالصخر، وهو ما تفتقده الولايات المتحدة حالياً.
لكن تظل الطريقة الأكثر استدامة لكسب المعركة ضد سوق السندات هي معالجة الاختلالات الهيكلية التي أججت الأزمة في المقام الأول. ففي تركيا، على سبيل المثال، اقتضى الأمر السماح للبنك المركزي برفع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية، رغم اعتراضات الرئيس الحادة.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الأمر يتطلب تقليصاً كبيراً في الإنفاق الحكومي، أو زيادة كبيرة في الضرائب، أو كليهما، لمواجهة العاصفة الحقيقية التي تعصف بأسواق الديون العالمية. إذ تعاني كل الدول الكبرى المقترضة من وطأة هذه الأزمة، بدءاً من اليابان وصولاً إلى المملكة المتحدة والولايات المتحدة.
والمستويات الضخمة للاقتراض والفجوات الهائلة بين الإيرادات الضريبية والإنفاق ليست بالظاهرة الجديدة، لكن القاعدة في الأسواق تشير إلى أن الأمور تظل بخير إلى أن تتوقف عن كونها كذلك، والوضع الراهن يبتعد سريعاً عن منطق السلامة. رغم ذلك، يستبعد أن تلتزم أي من الدول الرئيسية المتسببة في الأزمة بإعادة ضبط مسارها المالي بشكل جذري.
وفي الوقت الراهن، تنجو الولايات المتحدة من سيناريو التلويح بالتدخل العسكري في الأسواق بفضل عامل حاسم آخر لخوض معارك السندات: وهو الحظ. فالتضخم، الذي يعد العدو التقليدي لأسواق السندات، لم يكن الشاغل الرئيسي في هذه الجولة. كما أن التراجع الأخير في أسعار النفط يمنح أسواق الديون متنفساً مؤقتاً.
إضافة إلى ذلك، نجح بيسينت في الوقت الحالي، على الأقل، في ردع بعض المضاربين عن الدفع بتكاليف الاقتراض نحو مستويات أعلى، حيث استقرت العوائد عند مستويات مرتفعة منذ أن أعلنت وزارة الخزانة عن عمليات شراء حكومية للديون طويلة الأجل.
غير أن الحظ عادته أن ينفد، وعندما يحدث ذلك، فإن احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى خيار «القمع المالي» سينمو بسرعة.
ويعد هذا المصطلح سيئ السمعة في الأوساط المالية، إذ يشمل حزمة إجراءات تفرضها الدول، مثل قيود كفاية رأس المال على البنوك، وفرض ضوابط على حركات رؤوس الأموال، لإجبار مستثمري القطاع الخاص على قبول عوائد منخفضة، ما يتيح للحكومات مواصلة الإنفاق بتكلفة رخيصة.
إنه أسلوب قديم يتنافى كلياً مع النهج الأمريكي التقليدي، إذ يعطل قدرة الأسواق على القيام بدورها الجوهري: تسعير المخاطر.
وحذر ديفيد سكيلينج وجون ليولين من مؤسسة «إندبندنت إيكونوميكس» في مذكرة بحثية نشرت الأسبوع الماضي: «سيكون الشاغل الرئيسي من الآن فصاعداً هو تمويل الإنفاق الحكومي، مع إخضاع السياسة النقدية لخدمة هذه الحاجة.
ومن المرجح أن يتضمن دعم السياسة النقدية ممارسة القمع المالي، مصحوباً بأسعار فائدة حقيقية منخفضة في الولايات المتحدة (وغيرها)، من خلال وضع سقف للعوائد بطرق متعددة، وإلزام المستثمرين بتملك سندات الخزانة أو تحفيزهم على ذلك... وستلجأ الولايات المتحدة إلى الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية لجذب رؤوس الأموال بأساليب أكثر شراسة، وهي حروب رؤوس أموال ستكون تداعياتها أشد جسامة بكثير من الحروب التجارية الأخيرة».
إن أي تحرك جاد في هذا الاتجاه سيمثل تحولاً جذرياً في النظام المالي العالمي. ومع ذلك، أصبح هذا الاحتمال قائماً ومطروحاً بقوة لدرجة أن مديري الثروات بدأوا بالفعل في تقديم المشورة لعملائهم حول كيفية التعامل في حال تحققه.
وفي تقييم موجز، أشارت مذكرة صادرة عن قسم إدارة الثروات في بنك «يو بي إس» هذا الأسبوع إلى أن «المبادرات التي تؤدي إلى القمع المالي وخفض العوائد اصطناعياً ستكون في صالح الأسهم، في حين سيكون الذهب مستفيداً آخر».
وإذا كانت السنوات القليلة الماضية قد علمتنا شيئاً، فهو توقع ما لا يمكن تخيله، وهذا الملف هو أحدث نموذج يضاف إلى تلك القائمة.