وقد تستمر صدارة العملة الأمريكية لفترة ممتدة. ومن مؤشرات ذلك التحول الطفيف التغير في حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية.
ورغم أن المسار طويل الأجل لتنويع الاحتياطيات يبدو واضحاً، مع انخفاض حصته من نحو 72 % مطلع القرن الجاري إلى نحو 57 % اليوم. إلا أن هذه النسبة ارتفعت بفارق طفيف عن مستوى 56% المسجل أواخر العام الماضي.
ففي عام 1899، كان الاسترليني يستحوذ على نحو 64 % من الاحتياطيات الرسمية المعروفة للنقد الأجنبي، وفق أوراق بحثية أعدها باري أيكنجرين ومارك فلاندرو.
وبحلول عام 1913، هبطت تلك الحصة إلى 48 %، قبل أن ينتزع الدولار صدارة عملات الاحتياطي في منتصف عشرينيات القرن الماضي.
رغم ذلك، لم يكن الطريق معبداً، إذ استعاد الاسترليني موقعه في الصدارة لفترة وجيزة عام 1928، قبل أن تتراجع حصته في العام التالي إلى 41 %.
ولم تكن تلك الانتعاشات المؤقتة سوى محطات عابرة لم تغير اتجاه البوصلة العام. وسوق سندات الخزانة الأمريكية هي أحد الأسباب الأساسية لاستمرار التراجع عن الدولار.
إذ شكلت هذه السندات لعقود طويلة الداعم الرئيس لدور الدولار الدولي بفضل ما توفره من سيولة عميقة وملاذ مقبول عالمياً لحفظ القيمة.
لكن مع تفاقم الدين العام الأمريكي وتوسع استخدام الأدوات المالية كالعقوبات الدولية، بدأت بعض المؤسسات تراجع حجم اعتمادها على سندات الخزانة.
وأدى ذلك إلى ظهور تباين واضح بين الأصول الدولارية نفسها، فبينما يحتفظ الدولار وأذون الخزانة قصيرة الأجل بجاذبيتهما الشبيهة بالنقد للوفاء بالطلب العالمي على المعاملات والتسويات والتمويل والضمانات، فقدت سندات الخزانة طويلة الأجل جزءاً غير يسير من رونقها.
وكشفت دراسة أعدها الخبراء في الفيدرالي الأمريكي أواخر العام الماضي، ونشين دو، ورِت كيراتي، وجيسي شريجر، أن هذه العلاوة لم تكتف بالتراجع فحسب، بل تحولت إلى السالب في بعض الفترات.
أي أن المستثمرين أصبحوا يطالبون بعوائد أعلى لقاء الاحتفاظ بالديون الأمريكية طويلة الأجل.
على النقيض من ذلك، أبدت العلاوة المرتبطة بالدولار نقداً وبالأذون قصيرة الأجل مرونة وصموداً أكبر.
ويشير هذا إلى أن مديري الاحتياطيات النقدية ما زالوا يثمنون سيولة الدولار عالية الجودة، لكنهم يقدرون بدرجة أقل وظيفته كاحتياطي آمن طويل الأجل تقدمه السندات.
وفي الواقع، يتحول الطلب الرسمي على الأصول الدولارية تدريجياً من منطق البحث عن «الأصول الآمنة» إلى منطق تلبية «متطلبات السيولة».
وتجاوبت المؤسسات الرسمية الأجنبية كالبنوك المركزية مع ذلك. ففي الفترة بين مايو 2025 وأبريل 2026، اشترت تلك المؤسسات صافي أسهم أمريكية بقيمة 121 مليار دولار.
وسندات شركات وأصولاً أخرى بـ 49 مليار دولار، مقابل بيع سندات خزانة طويلة الأجل بـ 18 مليار دولار وسندات وكالات حكومية بـ 33 مليار دولار.
بمعنى آخر، يبحث هؤلاء عن العوائد والتنويع داخل المنظومة الأمريكية نفسها، وليس الفرار الكامل من الأصول الدولارية.
فقد ينشأ مفهوم «دولار الذكاء الاصطناعي»، على غرار حقبة «البترودولار» الذي غذى الطلب على العملة الأمريكية عبر تسعير تجارة النفط بها.
غير أن الريادة التكنولوجية، بخلاف قطاع الطاقة، يصعب الاستعاضة بها أو ربطها بالكامل بصيغة تسعير أحادية مستقرة.
والخلاصة بالنسبة لمديري الاحتياطيات في أن شكل نظام الاحتياطي الدولي، ودور الدولار فيه، لا يزال في طور التحول والتطور.
والتحركات الأخيرة لا تعني بحال من الأحوال القضاء على التوجه الهيكلي نحو تنويع الاحتياطيات.
