هيمنة الدولار لم تنته بعد

مياو يانليانغ

لم يكن من المتوقع إطلاقاً أن تسير عملية تراجع هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي في خط مستقيم، إذ يعد ظهور فترات من الاستقرار أو الارتداد الجزئي أمراً متوقعاً تماماً.

وقد تستمر صدارة العملة الأمريكية لفترة ممتدة. ومن مؤشرات ذلك التحول الطفيف التغير في حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية.

ورغم أن المسار طويل الأجل لتنويع الاحتياطيات يبدو واضحاً، مع انخفاض حصته من نحو 72 % مطلع القرن الجاري إلى نحو 57 % اليوم. إلا أن هذه النسبة ارتفعت بفارق طفيف عن مستوى 56% المسجل أواخر العام الماضي.

ورغم أن هذا الارتفاع يظل طفيفاً، حيث يعود نصفه تقريباً إلى أثر إعادة تقييم أسعار الصرف، إلا أنه، إلى جانب قوة سوق الأسهم الأمريكية والتقدم الذي أحرزته قطاعات رئيسية في صناعة الذكاء الاصطناعي، ساهم في تعزيز الطرح القائل بأن التراجع عن الدولار قد تباطأ، أو أن مرحلة «إعادة الدولرة» قد بدأت بالفعل.

إلا أن الشواهد التاريخية تدعو إلى تفسير أكثر حذراً، إذ يظهر مسار الجنيه الاسترليني أن التحولات التي تصيب عملات الاحتياطي نادراً ما تسير في مسار خطي صاعد أو هابط.

ففي عام 1899، كان الاسترليني يستحوذ على نحو 64 % من الاحتياطيات الرسمية المعروفة للنقد الأجنبي، وفق أوراق بحثية أعدها باري أيكنجرين ومارك فلاندرو.

وبحلول عام 1913، هبطت تلك الحصة إلى 48 %، قبل أن ينتزع الدولار صدارة عملات الاحتياطي في منتصف عشرينيات القرن الماضي.

رغم ذلك، لم يكن الطريق معبداً، إذ استعاد الاسترليني موقعه في الصدارة لفترة وجيزة عام 1928، قبل أن تتراجع حصته في العام التالي إلى 41 %.

ولم تكن تلك الانتعاشات المؤقتة سوى محطات عابرة لم تغير اتجاه البوصلة العام. وسوق سندات الخزانة الأمريكية هي أحد الأسباب الأساسية لاستمرار التراجع عن الدولار.

إذ شكلت هذه السندات لعقود طويلة الداعم الرئيس لدور الدولار الدولي بفضل ما توفره من سيولة عميقة وملاذ مقبول عالمياً لحفظ القيمة.

لكن مع تفاقم الدين العام الأمريكي وتوسع استخدام الأدوات المالية كالعقوبات الدولية، بدأت بعض المؤسسات تراجع حجم اعتمادها على سندات الخزانة.

وأدى ذلك إلى ظهور تباين واضح بين الأصول الدولارية نفسها، فبينما يحتفظ الدولار وأذون الخزانة قصيرة الأجل بجاذبيتهما الشبيهة بالنقد للوفاء بالطلب العالمي على المعاملات والتسويات والتمويل والضمانات، فقدت سندات الخزانة طويلة الأجل جزءاً غير يسير من رونقها.

فمنذ عام 2020، شهدت ما تعرف بـ«علاوة ملاءمة السيولة» على السندات طويلة الأجل هبوطاً حاداً، وهي العائد الذي يرتضي المستثمرون التخلي عنه مقابل ما توفره هذه السندات من أمان وسيولة.

وكشفت دراسة أعدها الخبراء في الفيدرالي الأمريكي أواخر العام الماضي، ونشين دو، ورِت كيراتي، وجيسي شريجر، أن هذه العلاوة لم تكتف بالتراجع فحسب، بل تحولت إلى السالب في بعض الفترات.

أي أن المستثمرين أصبحوا يطالبون بعوائد أعلى لقاء الاحتفاظ بالديون الأمريكية طويلة الأجل.

على النقيض من ذلك، أبدت العلاوة المرتبطة بالدولار نقداً وبالأذون قصيرة الأجل مرونة وصموداً أكبر.

ويشير هذا إلى أن مديري الاحتياطيات النقدية ما زالوا يثمنون سيولة الدولار عالية الجودة، لكنهم يقدرون بدرجة أقل وظيفته كاحتياطي آمن طويل الأجل تقدمه السندات.

وفي الواقع، يتحول الطلب الرسمي على الأصول الدولارية تدريجياً من منطق البحث عن «الأصول الآمنة» إلى منطق تلبية «متطلبات السيولة».

وإذا كانت السندات تفقد جزءاً من جاذبيتها كأصول احتياطية، فهل يمكن للطلب على الأسهم الأمريكية مساندة الدولار؟ لقد حققت الأسهم الأمريكية أداءً قوياً خلال الأعوام الأخيرة.

وتجاوبت المؤسسات الرسمية الأجنبية كالبنوك المركزية مع ذلك. ففي الفترة بين مايو 2025 وأبريل 2026، اشترت تلك المؤسسات صافي أسهم أمريكية بقيمة 121 مليار دولار.

وسندات شركات وأصولاً أخرى بـ 49 مليار دولار، مقابل بيع سندات خزانة طويلة الأجل بـ 18 مليار دولار وسندات وكالات حكومية بـ 33 مليار دولار.

بمعنى آخر، يبحث هؤلاء عن العوائد والتنويع داخل المنظومة الأمريكية نفسها، وليس الفرار الكامل من الأصول الدولارية.

إلا أن الأسهم تتسم بالطبع بالتقلب الشديد في اللحظات التي تكون فيها السلامة والأمان هما الأهم، الأمر الذي يضع حدوداً لمدى اعتماد مديري الاحتياطيات على الأسهم الأمريكية كبديل.

فهل يمكن لثورة الذكاء الاصطناعي أن تدعم الدولار بأسلوب آخر؟ يرى بعض المحللين أنه إذا تم تسعير المعاملات المرتبطة بالتكنولوجيا بالدولار على نحو متزايد.

فقد ينشأ مفهوم «دولار الذكاء الاصطناعي»، على غرار حقبة «البترودولار» الذي غذى الطلب على العملة الأمريكية عبر تسعير تجارة النفط بها.

غير أن الريادة التكنولوجية، بخلاف قطاع الطاقة، يصعب الاستعاضة بها أو ربطها بالكامل بصيغة تسعير أحادية مستقرة.

فضلاً عن ذلك، تظل التداعيات المالية للذكاء الاصطناعي غير محددة الملامح. فمن الممكن أن ترفع هذه التكنولوجيا من مسار النمو الأمريكي، إلا أنها لن تكون قادرة بمفردها على تبديد المخاوف المحيطة بمسار الدين العام طويل الأجل.

والخلاصة بالنسبة لمديري الاحتياطيات في أن شكل نظام الاحتياطي الدولي، ودور الدولار فيه، لا يزال في طور التحول والتطور.

والتحركات الأخيرة لا تعني بحال من الأحوال القضاء على التوجه الهيكلي نحو تنويع الاحتياطيات.

كبير الاقتصاديين في شركة «CICC» الصينية لرأس المال