تارا ويلر
قبل بضعة أسابيع، ألقيت كلمة أمام مسؤولين في القطاع العام بولاية إنديانا الأمريكية حول تداعيات الذكاء الاصطناعي على الأمن السيبراني.
وعقب الكلمة، أسر إلي مدير لتقنية المعلومات بأن رئيسه يمارس عليه ضغوطاً مكثفة لـ«دفع الجميع نحو استخدام الذكاء الاصطناعي»، في وقت ما زال فيه يحاول معالجة مشكلات أمنية يعود تاريخها إلى عشرين عاماً؛ مثل استخدام الموظفين لأجهزتهم الشخصية في أغراض العمل.
قدمت له بعض الإرشادات حول إجراءات السلامة السيبرانية الأساسية، إلا أن الواقع يفرض نفسه، فالهجمات المعززة بالذكاء الاصطناعي ستجعل تبعات القصور الأمني أشد قسوة بمراحل.
لقد كان مدير تقنية المعلومات يستفسر عن كيفية بناء درع دفاع صاروخية قارية، في حين تفتقر الفرق التابعة له حتى إلى الميزانية اللازمة لإقامة سياج خشبي بسيط.
إن الطفرة الهائلة في الثغرات الأمنية التي يكتشفها الذكاء الاصطناعي أدت إلى خفض تكلفة الهجمات السيبرانية، في مقابل ارتفاع كلفة الدفاع عنها.
كما أصبحت التهديدات الناجمة عما يعرف بـ «النماذج المارقة» أقل قابلية للتنبؤ؛ إذ أفادت شركات «أوبن إيه آي» و«ميتا» و«أنثروبيك» بأن نماذجها للذكاء الاصطناعي «أفلتت من نطاق الاحتواء».
واستطاعت اكتشاف ثغرات برمجية وآليات استغلال تتجاوز بكثير حدود التعليمات الموجهة إليها أو النوايا الأصلية لمستخدميها.
وبحكم خبرتي المباشرة في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتشغيلها وتحليلها واختبارها هجومياً، فإن قدرة هذه المنظومات، التي تشبه آلات «روب جولدبرج» المفرطة التعقيد، على ابتكار أداة اختراق رقمية منخفضة التكلفة لأي نظام تقريباً وفي زمن قياسي، تعد أمراً مروعاً بحق.
في السابق، كان تحديد الثغرات المحتملة، وتجميع النصوص البرمجية لاستغلالها، وتكرار ذلك بتعديلات طفيفة لرسم خريطة دقيقة لنقاط ضعف النظام، أمراً يتطلب خبرة عميقة وابتكاراً فردياً. أما اليوم.
فيمكن تنفيذ هذه العملية برمتها في أجزاء ضئيلة من الوقت وبكلفة لا تذكر، ما أفرز فجوة قدرات ثنائية المستوى.
فالنماذج المتاحة عبر الاشتراكات العامة مثل «كلود» تتمتع بضوابط حماية تمنع في الغالب الاستجابة لطلبات إنشاء برمجيات الخرق، إلا أن هذه الضوابط تغيب تماماً عندما يعمد أحدهم إلى تشغيل النماذج مفتوحة الأوزان على أجهزتهم الخاصة.
يعني ذلك أن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت تضع أدوات الهجوم في أيدي أفراد لم يخوضوا قط التحديات والأخلاقيات المهنية التي يصقلها العمل في قطاع الأمن السيبراني.
وفي عام 2025، أبلغ مكتب التحقيقات الفيدرالي عن تسجيل 642 حادثة انتهاك بيانات وهجمات بفدية برمجية استهدفت قطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة. وهو الرقم الأعلى مقارنة بأي قطاع آخر من قطاعات البنية التحتية الحيوية
. وقد بلغت التكلفة المتوسطة للخرق الواحد نحو 7.4 ملايين دولار، يضاف إليها تكاليف بشرية واجتماعية لم تحسب بعد، ناتجة عن تعطل الخدمات الطبية.
ومن المرجح أن يرتفع هذا الرقم خلال العام الجاري، إذ أعتقد أننا لا نزال على بُعد عامين إلى ثلاثة أعوام من المرحلة التي تستطيع فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي إجراء عمليات ترميم تلقائي للبرمجيات لمواكبة الثغرات المتدفقة في البرمجيات.
ورغم هذا الخطر الداهم، لا تحظى الوقاية من هجمات الذكاء الاصطناعي بالأولوية الحكومية المطلوبة.
إذ فقد «مركز مشاركة وتحليل المعلومات بين الولايات»، الذي تم إنشاؤه لمعاونة الحكومات المحلية والإقليمية في الولايات المتحدة، تمويله الفيدرالي في سبتمبر 2025.
كما أصيبت القدرات التنسيقية لـ«وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية» بالشلل بسبب اقتطاعات حادة من الميزانية.
وأمام هذا الفراغ، أصبح الباحثون الأمنيون يفصحون عن الثغرات علناً بعد أن أضناهم الانتظار لإصلاحها من قبل المؤسسات المعنية. إذ نشر الباحث المجهول الملقب بـ «نايتمير إيكليبس» بالفعل تفاصيل ثغرات عدة تؤثر في أنظمة «مايكروسوفت».
وفي ظل هذه المعطيات، يظل الأمل الوحيد معقوداً على الشراكات بين القطاعين العام والخاص. وفي أبريل 2026، أطلقت شركة «أنثروبيك» مبادرة «مشروع جلاسوينج» للمساعدة في اكتشاف الثغرات وتصحيحها.
إلا أنه في يونيو من العام نفسه، امتثلت الشركة لأمر تنفيذي مثير للجدل صادر عن السلطة التنفيذية الأمريكية يطالب بتعليق الوصول إلى أكثر نماذجها كفاءة: «فيبل» و«ميثوس».
إلا أن نجاح الشراكات بين القطاعين العام والخاص يتطلب مقومات أساسية في مقدمتها الاستقرار والمصداقية. وقد اهتز استقرار «جلاسوينج» حين قطعت «أنثروبيك» الوصول إلى نماذجها الحديثة.
فيما تضررت مصداقيتها عندما أخفقت في الالتزام بالمهلة المحددة بـ 90 يوماً لإصدار تقريرها حول الثغرات المكتشفة.
إن مدير تقنية المعلومات الذي تحدثت إليه لا يحتاج إلى خطة للابتكار في الذكاء الاصطناعي، بل يحتاج إلى منظومة الدفاع السيبراني المشتركة التي كانت تمتلكها بلاده حتى سبتمبر الماضي.
العمل الدفاعي السيبراني المجهد لا يظهر عندما يتم إنجازه بإتقان، لكن عندما يفشل، فإن التكلفة المفروضة على صحة الإنسان، والوصول إلى الغذاء والسلع، وشبكات النقل، بل وحتى ممارسة حق التصويت بحرية، ستقفز إلى أرقام صادمة يعجز أعتى نماذج الذكاء الاصطناعي وأكثرها ثقة عن تقديرها.
باحثة في أمن المعلومات والرئيسة التنفيذية للأمن في مجموعة «TPO Group»