انقلاب عالم الدخل الثابت رأساً على عقب

كاتي مارتن

قال سكوت بيسنت الأسبوع الماضي: «الناس لديهم معلومات رديئة، أما أنا فلدي معلومات لا يملكها الآخرون».

ومن كان مرة مستثمراً في صناديق التحوط، يظل كذلك، وإذا كان وزير الخزانة الأمريكي لديه فعلاً شيء ما في جعبته لعلاج الاعتلال الذي أصاب أسواق أسعار الفائدة طويلة الأجل، فالآن هو الوقت المناسب لاستخدامها. أما حالياً، فلا تزال السوق متوترة للغاية.

وبالنسبة للأسواق خلال الصيف، فأنتم تعرفون الوضع. السوق متقلب، ومديرو الصناديق والمتداولون المخضرمون يقضون وقتهم على الشاطئ. لذا قد يحدث بعض الهلع في السوق. ودائماً ما يكون أفضل مسار للعمل هو تجاهل الأمر برمته، وشراء السندات عند انخفاض أسعارها.

لكن من المؤكد أن هذا ليس هو الرأي السائد حول موجة التوتر التي تشهدها سوق سندات الخزانة الأمريكية هذا الصيف. فكما يعلم القراء المنتظمون والمختصون في الاقتصاد الكلي، تفاقمت المشكلة بشكل حاد في نهاية يوليو.

بل يمكن القول إنها بدأت قبل ذلك إذا أخذنا في الاعتبار ردة فعل السوق المتشككة تجاه المؤتمر الصحفي الثاني لكيفن وارش في مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وتدخل بيسنت في سوق الين (باليورو)، والإشارة إلى احتمال مزيد من التدخلات عبر آلية «فيما» التابعة للاحتياطي الفيدرالي، وزيادة عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل.

كلها أمور أوصلت، دون قصد، رسالة مفادها أن الإدارة الأمريكية قلقة للغاية بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض، وأنها لا تملك خطة نقدية أو مالية جادة لمعالجتها.

بالتأكيد، هناك تبريرات منطقية لكل هذا، وهي: أن التدخل لدعم الين كان بمثابة مساعدة صديق وقت الضيق. وأن عمليات إعادة الشراء تهدف إلى تعزيز السيولة.

وأن هناك تشديداً مالياً قادماً. سمعنا جميعاً كل هذا. لكن تبقى الحقيقة أن عمليات إعادة شراء السندات بأعداد كبيرة تعد مؤشراً على وجود مشكلة، وتعد إهداراً للأموال.

لكن النقطة الأساسية هي أن نتساءل لماذا ترتفع أسعار الفائدة طويلة الأجل. الحقيقة هي أن السبب ليس التضخم، وهو السبب المعتاد، فتوقعات التضخم مستقرة إلى حد كبير حالياً، رغم أنها تشهد ارتفاعاً طفيفاً.

المشكلة، بدلاً من ذلك، تعود إلى مزاحمة الإصدارات الضخمة لشركات الحوسبة السحابية العملاقة. لكن الأهم بكثير هو الكم الهائل من السندات التي تصدرها الحكومات لتمويل ديونها.

وقد صرح بيسنت الأسبوع الماضي بأن تجاوز الدين الوطني الأمريكي لحاجز 40 تريليون دولار يعد أمراً غير ذي صلة، فهو مجرد رقم. لكن المستثمرين ليسوا متأكدين من ذلك.

وهناك أيضاً مشكلة مصداقية. فعلى سبيل المثال، فقد أشار وارش إلى أنه لا يمانع في ارتفاع عوائد السندات، فهي تساعد الاحتياطي الفيدرالي وتشكل آلية لفرض الانضباط المالي. رغم ذلك، أشار بيسنت الأسبوع الماضي إلى أن الأسواق مخطئة تماماً، ولا تعكس أساسيات اقتصادية قوية.

فأي الرأيين هو الصحيح؟ ربما يعلم بيسنت شيئاً نجهله حول الحجم الحقيقي لضبط الأوضاع المالية المرتقب، أو حول الطلب المحتمل على سندات الخزانة. هذا احتمال وارد. ولكن إلى أن نحصل على دليل على ذلك، يبدو أن هذه الرسائل، التي يصعب فهمها والمتناقضة أحياناً، تساهم بشكل ملحوظ في ارتفاع العوائد.

كان آخر الأخبار يوم الاثنين تقرير ستيف ليزمان على قناة «سي إن بي سي»، وهو خبير جدير بالمتابعة في شؤون الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة.

والذي ذكر أن «بيسنت قد يستغل ما يقارب تريليون دولار من حساب الخزانة العام لتمويل عمليات إعادة شراء السندات»، بهدف تصحيح الأثر المتواضع لإعلان إعادة شراء السندات الأسبوع الماضي، والذي أعاقته «الشكوك حول حجم الموارد المالية المتاحة لبيسنت للتحرك».

سيفسر بعض المستثمرين هذا على أنه إشارة قوية على حزم وزير الخزانة، وسيختارون عدم معارضته على المدى الطويل. حسناً، لكنني أرسلت تقرير الإخباري ليزمان إلى خبير في سوق أسعار الفائدة أمس فأجاب: إن «هذا جنون... أرجوك قل لي إن هذا ليس حقيقياً». وخلاصة ما قاله أن: المشكلة ليست في حجم عمليات إعادة الشراء، بل في حدوثها من الأساس.

في باركليز، عرض أجاي راجادياكشا أفكاره في مذكرة أمس. وأشار، بحكمة بالغة، إلى أن ارتفاع العوائد ليس حكراً على الولايات المتحدة. انظروا إلى فرنسا (أكثر من 4 % على السندات لأجل 10 سنوات!) واليابان (ما يقارب 3 %!).

وسأوجز أفكاره هنا: في أسواق الدخل الثابت الرئيسية حول العالم، يواجه المستثمرون خسائر فادحة، والسؤال الذي يطرح نفسه دائماً بعد موجة بيع بهذا الحجم: هل حان وقت الشراء؟ كلا، ليس كذلك...

لأن العوامل التي تدفع العوائد للارتفاع لم تنفد بعد. لقد أمضينا عقوداً قلقين بشأن أزمات ديون الأسواق الناشئة، الأرجنتين، تركيا، سريلانكا. لكن يبدو أن المشكلات الآن تكمن في العالم المتقدم. لقد انقلب عالم الدخل الثابت رأساً على عقب.

أربع اقتصادات، الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، واليابان، جميعها تعاني مستويات ديون تقارب أو تتجاوز 100 % من الناتج المحلي الإجمالي. ولا شيء يتغير. ولا توجد إرادة سياسية لضبط الأوضاع المالية. لا شيء على الإطلاق.

وسوق السندات يعيد تقييم أسعار السندات حالياً لأسباب عدة، وهذه الأسباب تتفاقم. أولها وأهمها أن سعر الفائدة المحايد الحالي أعلى مما كان متوقعاً قبل عام.

وأثبت النمو الاقتصادي مرونته، فيما ظل التضخم عنيداً بحيث لا يسمح بخفض سعر الفائدة. ودورة الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي غير دورية، فهي لا تعتمد على الدورة الاقتصادية ولا تظهر أي مؤشرات على التباطؤ.

وهناك ثلاثة من أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية يرغبون في رفع سعر الفائدة. لذلك يستنتج السوق، وهو استنتاج صائب في رأينا، أن سعر الفائدة المحايد طويل الأجل أعلى من المتوقع، وأن عائد السندات لأجل 10 سنوات يتكيف ببساطة مع هذا الواقع.

من المفترض أن يأتي وقت مناسب لشراء السندات، في وقت يتجاوز فيه البيع مستوياته الطبيعية، ويضعف فيه الاقتصاد بشكل حقيقي، وتتحول فيه معادلة المخاطرة والعائد لصالح الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل. لكن هذا الوقت ليس الآن.

في شركة «بيمكو»، يرى مارك سيدنر وبرامول داوان أن العوائد تبدو جذابة للمستثمرين على المدى الطويل. وقالا: «سنسعى إلى زيادة استثماراتنا إذا استمرت العوائد في الارتفاع». لكن مرة أخرى، تشكل تلك الأساسيات المزعجة مشكلة:

قد توفر تدفقات رؤوس الأموال وتحركات أسعار الصرف متنفساً مؤقتاً، لكن خفض العجز هو، في رأينا، الضمان الوحيد القادر على تثبيت عوائد السندات طويلة الأجل بصورة مستدامة.

ففي الولايات المتحدة، أصبح العجز إلى حد كبير لا يرتبط بالاحتياجات الاقتصادية الفعلية، إذ يواصل الارتفاع الحاد حتى في ظل اقتصاد قوي. وعلى مستوى الاقتصادات المتقدمة، لا نرى رغبة كبيرة في تبني سياسات تقشف مالي.