وإذا طبقنا السؤال نفسه على الاقتصاد، فيجدر بنا أيضاً أن نتساءل عما إذا كان الهوس بالذكاء الاصطناعي يستنزف قطاعات أخرى. فتشييد مراكز البيانات وتطوير النماذج يتطلبان كميات هائلة من الرقائق والكهرباء والتمويل. فهل يعني هذا الهوس أن قطاعات أخرى أصبحت محرومة من الموارد؟
وتاريخياً، فإن الابتكار هو الذي يجعل الاستثمار مجدياً، كما حدث عندما أتاحت الكهرباء استخدام فئة جديدة من الآلات الصغيرة في المصانع.
وسيحتاج إلى أن يكون كذلك، مع لجوء شركات التكنولوجيا الكبرى إلى أسواق الدين للمساعدة في تمويل توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. لكن المقترضين من القطاعات الأخرى الباحثين عن ائتمان رخيص قد يواجهون مع ذلك ضغوطاً للحصول عليه.
فقد أفاد بنك «سيليكون فالي» بأن شركات الذكاء الاصطناعي حصلت خلال الأشهر الاثني عشر الماضية على نحو ثلثي قيمة تمويلات رأس المال الجريء في أمريكا.
ووفقاً لـ«جولدمان ساكس»، جاء نحو ربع إجمالي إصدارات الديون الاستثمارية في أمريكا هذا العام من شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. بما في ذلك شركات الحوسبة السحابية العملاقة، ومزودو البرمجيات، والجهات التي تمول قطاع مراكز البيانات.
أوضح بنك «سيليكون فالي» أنه رغم أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة يحد عادة استثمارات رأس المال الجريء، فإن هذه العلاقة انفصلت في الآونة الأخيرة، «إذ دفع الخوف من تفويت هذه النقلة النوعية» استثمارات رأس المال الجريء إلى مستويات قياسية جديدة.
فإن هناك أسباباً أكثر وضوحاً يمكن أن تفسر ذلك، منها انتهاء الدعم الحكومي، وعدم اليقين المرتبط بالرسوم الجمركية، وتشدد السياسة النقدية رداً على التضخم المستمر، وهو تضخم لم يتسبب فيه الذكاء الاصطناعي.
لكن باحثين في بنك التسويات الدولية وجدوا أن البلدان الأكثر توجهاً نحو الذكاء الاصطناعي، أو الأكثر «استعداداً» له، شهدت نمواً أقوى في استثمارات الشركات والاستثمار الإجمالي خلال العامين المنتهيين في نهاية 2025. وهذا يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أحدث بالفعل دفعة حقيقية للنشاط الاقتصادي.
وربما تكون تكاليف تمويلها أعلى قليلاً بوجه عام، بسبب زيادة المنافسة على التمويل من جانب شركات الحوسبة السحابية العملاقة وشركائها. واستناداً إلى تقديرات تأثير التشديد الكمي، أي تقليص المعروض من الائتمان، قدر ريندلز وميريكل أن هذا التأثير يبلغ نحو 0.05 نقطة مئوية.
وفي هذا الأسبوع فقط، أشار محللون إلى أن الإصدارات الضخمة من السندات لتمويل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تقف وراء الارتفاع الحاد في تكلفة الاقتراض في أسواق الديون السيادية طويلة الأجل.
وربما يعني ذلك عقد المزيد من حفلات العشاء للحديث عن كل هذه التطورات، وربما سيضطر أولئك الذين يريدون الحديث عن شيء آخر غير الذكاء الاصطناعي إلى رفع أصواتهم قليلاً حتى يسمعوا.
