الذكاء الاصطناعي يمتص الموارد ببطء

سوميا كينز

في نهاية كل حفل عشاء آخر يهيمن عليه الحديث عن الذكاء الاصطناعي، أجد نفسي غالباً أتساءل عما إذا كانت موضوعات مهمة أخرى تم إقصاؤها من النقاش.

وإذا طبقنا السؤال نفسه على الاقتصاد، فيجدر بنا أيضاً أن نتساءل عما إذا كان الهوس بالذكاء الاصطناعي يستنزف قطاعات أخرى. فتشييد مراكز البيانات وتطوير النماذج يتطلبان كميات هائلة من الرقائق والكهرباء والتمويل. فهل يعني هذا الهوس أن قطاعات أخرى أصبحت محرومة من الموارد؟

على المدى الطويل، ربما يبدو هذا السؤال ساذجاً، فعندما ينجح الذكاء الاصطناعي في علاج السرطان وحل مشكلة تغير المناخ، لن يعترض أحد على ضخ كميات كبيرة من الأموال والكهرباء في هذا القطاع.

وتاريخياً، فإن الابتكار هو الذي يجعل الاستثمار مجدياً، كما حدث عندما أتاحت الكهرباء استخدام فئة جديدة من الآلات الصغيرة في المصانع.

لكن محدودية الموارد قد تتحول إلى عائق حقيقي. بالتالي، لا أنصح بإقامة منشآت صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة قرب مركز بيانات. كما ينبغي أن يكون التمويل أكثر مرونة.

وسيحتاج إلى أن يكون كذلك، مع لجوء شركات التكنولوجيا الكبرى إلى أسواق الدين للمساعدة في تمويل توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. لكن المقترضين من القطاعات الأخرى الباحثين عن ائتمان رخيص قد يواجهون مع ذلك ضغوطاً للحصول عليه.

وبدءاً من تدفق التمويل، فإن إلقاء نظرة سريعة على البيانات الخام يوحي بالفعل بأن الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تستحوذ على حصة متزايدة من التمويل.

فقد أفاد بنك «سيليكون فالي» بأن شركات الذكاء الاصطناعي حصلت خلال الأشهر الاثني عشر الماضية على نحو ثلثي قيمة تمويلات رأس المال الجريء في أمريكا.

ووفقاً لـ«جولدمان ساكس»، جاء نحو ربع إجمالي إصدارات الديون الاستثمارية في أمريكا هذا العام من شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. بما في ذلك شركات الحوسبة السحابية العملاقة، ومزودو البرمجيات، والجهات التي تمول قطاع مراكز البيانات.

وفي أمريكا أيضاً، ظهرت تأثيرات للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد الحقيقي، بما عزز المخاوف من أن القطاعات الأقل بريقاً تحرم من الموارد؛ فمع ارتفاع الإنفاق الرأسمالي على المجالات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما فيها معدات معالجة المعلومات ومراكز البيانات، خلال العام الماضي، تراجع الاستثمار الخاص في أنواع أخرى من الأصول. ففي قطاع تشييد المكاتب، قفز الإنفاق على مراكز البيانات، بينما تراجع الإنفاق على بقية أنواع الإنشاءات.

ورغم أن هذين الاتجاهين يقدمان مؤشرات لافتة، فإن أياً منهما لا يثبت أن الذكاء الاصطناعي يستنزف الموارد من القطاعات الأخرى. وفي تقرير حديث.

أوضح بنك «سيليكون فالي» أنه رغم أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة يحد عادة استثمارات رأس المال الجريء، فإن هذه العلاقة انفصلت في الآونة الأخيرة، «إذ دفع الخوف من تفويت هذه النقلة النوعية» استثمارات رأس المال الجريء إلى مستويات قياسية جديدة.

أما بالنسبة إلى اتجاهات الاستثمار الفعلي، فقد يكون ازدهار الذكاء الاصطناعي يخفي ضعفاً كامناً في الاقتصاد ناجماً عن أسباب أخرى تماماً. ورغم تحذير البعض من أن الذكاء الاصطناعي يهدد انتعاشاً أوسع نطاقاً في قطاع التصنيع الأمريكي.

فإن هناك أسباباً أكثر وضوحاً يمكن أن تفسر ذلك، منها انتهاء الدعم الحكومي، وعدم اليقين المرتبط بالرسوم الجمركية، وتشدد السياسة النقدية رداً على التضخم المستمر، وهو تضخم لم يتسبب فيه الذكاء الاصطناعي.

وقد توفر المقارنات الدولية بعض الطمأنينة. فإذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد ببساطة توزيع كتلة ثابتة من الإنفاق الرأسمالي داخل البلدان، لكان من المتوقع ألا تكون هناك علاقة بين الهوس بالذكاء الاصطناعي ومستويات الاستثمار الإجمالية.

لكن باحثين في بنك التسويات الدولية وجدوا أن البلدان الأكثر توجهاً نحو الذكاء الاصطناعي، أو الأكثر «استعداداً» له، شهدت نمواً أقوى في استثمارات الشركات والاستثمار الإجمالي خلال العامين المنتهيين في نهاية 2025. وهذا يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أحدث بالفعل دفعة حقيقية للنشاط الاقتصادي.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي يستحوذ على حصة من التمويل على حساب قطاعات أخرى في أسواق الائتمان، فمن المرجح ألا يكون ذلك بمقدار ضخم. فقد خلصت مذكرة حديثة أعدها جيسيكا ريندلز وديفيد ميريكل من «جولدمان ساكس» إلى أن الشركات غير المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لم تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في التكلفة النسبية لديونها.

وربما تكون تكاليف تمويلها أعلى قليلاً بوجه عام، بسبب زيادة المنافسة على التمويل من جانب شركات الحوسبة السحابية العملاقة وشركائها. واستناداً إلى تقديرات تأثير التشديد الكمي، أي تقليص المعروض من الائتمان، قدر ريندلز وميريكل أن هذا التأثير يبلغ نحو 0.05 نقطة مئوية.

وقد تظهر مؤشرات أخرى على هذا الاستحواذ على الموارد في قطاعات تتجاوز عالم الشركات. فالمقترضون المرتبطون بالذكاء الاصطناعي يطلبون تمويلاً طويل الأجل، من النوع الذي عادة ما تصدره الحكومات.

وفي هذا الأسبوع فقط، أشار محللون إلى أن الإصدارات الضخمة من السندات لتمويل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تقف وراء الارتفاع الحاد في تكلفة الاقتراض في أسواق الديون السيادية طويلة الأجل.

ومع استمرار ازدهار الذكاء الاصطناعي، قد تصبح مؤشرات استحواذه على الموارد أكثر وضوحاً. فوفقاً لأحد التقديرات، سيرتفع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة من 1.8% إلى 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي بين هذا العام و2028.

وربما يعني ذلك عقد المزيد من حفلات العشاء للحديث عن كل هذه التطورات، وربما سيضطر أولئك الذين يريدون الحديث عن شيء آخر غير الذكاء الاصطناعي إلى رفع أصواتهم قليلاً حتى يسمعوا.