جون ثورنهيل
قد تكون بالونات الحفلات مصدر متعة كبيرة للأطفال، إلا أنها تمثل أخباراً سيئة للنوارس، التي تبتلع شظايا البالونات ما يتسبب في انسداد أمعائها ونفوقها، ووجدت دراسة أجريت على طيور بحرية نافقة أن «البالونات كانت أكثر أنواع المخلفات احتمالاً للتسبب في نفوق هذه الكائنات».
لكن على الأقل أصبح هناك حل متاح حالياً. فقد طور باحثون في إمبريال كوليدج لندن، بتمويل جزئي من شركة لتنظيم الفعاليات، شكلاً أقل ضرراً وأكثر قابلية للتحلل الحيوي من اللاتكس، أو المادة التي يصنع منها المطاط.
وقد أسس الفريق الآن شركة ناشئة باسم «بيولون» لترخيص التكنولوجيا، ويقدر حجم السوق المحتمل لها بنحو 40 مليار دولار، بما في ذلك القفازات الطبية والملابس.
وتقول جوليانا كومينج، طالبة الدكتوراه التي قادت البحث: إن المادة الجديدة تتجنب عملية معالجة المطاط بالكبريت، والتي تستخدم حالياً لجعل المطاط الطبيعي قوياً وقابلاً للتمدد، لكنها تؤدي إلى تسرب مواد كيميائية سامة وتوضح: «إنها نسخة معدلة من اللاتكس الطبيعي الممزوج ببوليمر قابل للتحلل الحيوي».
وقد تكون الطيور البحرية، على وجه الخصوص، ممتنة لهذا الابتكار، لكن هذا النوع من تحويل المعرفة المتخصصة إلى منتجات تجارية يجسد أيضاً اتجاهاً إيجابياً أوسع بكثير: فربما لم يسبق أن أتيحت لنا فرصة أفضل لحل التحديات المادية التي يواجهها العالم.
إذ تعمل براعة الإنسان، والتكنولوجيا الذكية، والمرونة التي تتمتع بها المؤسسات الأكاديمية، وتوافر التمويل الاستثماري، على توسيع نطاق المشكلات التي يمكن حلها بدرجة كبيرة.
اعتمد فريق «بيولون» على الرؤية البشرية لتحسين منتج موجود بالفعل. لكن الانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي قد يفتح طرقاً جديدة لتطوير مواد جديدة تماماً.
فعلى سبيل المثال، تعمل شركة «كاسب إيه آي» الناشئة، التي تحاول إنشاء «محرك بحث» لعلوم المواد، مع شركة «كيميرا» الفنلندية للكيماويات لمعالجة ما يسمى «المواد الكيميائية الأبدية»، المستخدمة في المقالي غير اللاصقة ومواد تغليف الأغذية.
وباستخدام الذكاء الاصطناعي، استكشفت الشركة 300 تريليون بنية مادية محتملة، واختارت منها 20 مرشحاً ذا أولوية، يجري اختبارها حالياً، وإذا تمكنت الشركات فعلاً من تطوير مواد جديدة تتمتع بخصائص مفيدة لم تكن معروفة من قبل، فقد يؤدي ذلك إلى تسريع تطوير أشباه موصلات أكثر كفاءة، وأنظمة لتخزين الكربون، ومفاعلات للاندماج النووي.
وقال ماكس ويلينج، المؤسس المشارك لشركة «كاسب إيه آي»، في مقابلة حديثة مع «فايننشال تايمز»: «قد يغير هذا العالم بالكامل».
لكن وادي السيليكون، الذي يميل إلى الاستئثار بالحديث عن الابتكار، أعطى تاريخياً الأولوية لاهتمامات مختلفة، مع تركيز أكبر على البرمجيات والبيانات من المواد والأشياء المادية.
وكما تقول النكتة القديمة، فإن وادي السيليكون مهيأ لحل المشكلات اليومية للرجال المهووسين بالتكنولوجيا في العشرينيات من أعمارهم، لأنهم هم الذين يديرون المكان.
ومن هنا جاءت شركات مثل «أوبر» و«إير بي إن بي» و«واتساب» و«دور داش». وليس من المستغرب، بالتالي، أن تكون البرمجة محور هوس مختبرات أبحاث الذكاء الاصطناعي.
علاوة على ذلك، يبدو أن مستثمري رأس المال الجريء يضيقون نطاق اهتماماتهم بشكل حاد، ويضعون رهانات أكبر بكثير على حفنة من الشركات الناشئة العملاقة في الذكاء الاصطناعي.
ففي النصف الأول من هذا العام، استحوذت «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» على 53% من إجمالي 407 مليارات دولار استثمرها رأس المال الجريء في الشركات الناشئة للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، وفقاً لـ«بيتش بوك». ويمثل ذلك مستوى غير مسبوق من التركز.
بل إن تيم أورايلي، رائد الأعمال والمستثمر المخضرم، ذهب إلى حد وصف وادي السيليكون بأنه «معاد للرأسمالية»، فمستثمرو رأس المال الجريء يضخون قدراً هائلاً من رأس المال في الشركات التي يختارونها، بحيث يصبحون، عملياً، هم من يحددون الفائزين ويقضون على المنافسة، ما يخنق البدائل.
وحتى الآن، ركزت مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى تلك في الغالب على بناء نماذج أقوى للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحسين البرمجيات وأتمتة العمليات. لكن بعض قادة القطاع، الذين يتحدثون بإسهاب عن خلق عالم من الوفرة الهائلة وعلاج جميع الأمراض، يقرون بأن عليهم الآن تحقيق فوائد مادية ملموسة من الذكاء الاصطناعي إذا أرادوا كسب تأييد جمهور يزداد عداءً لهم.
ولهذا الغرض، تستثمر «أنثروبيك» الآن بكثافة في «كلود ساينس»، فيما أنشأت «جوجل ديب مايند» شركة «إيزومورفيك لابس» التابعة لها للتركيز على اكتشاف الأدوية. وكتب داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، على منصة «إكس»: «لم نحقق بعد الوعود الكبيرة التي قطعناها بتحقيق منفعة للعالم».
وفي هذا الصدد، قد تكون الصين سبقت الولايات المتحدة بخطوة من خلال تركيزها بدرجة أكبر على التطبيقات المادية للذكاء الاصطناعي. ففي حين لا تزال صناعة الذكاء الاصطناعي الأمريكية أشبه برهان ضخم على إمكانية تحقيق ذكاء فائق للآلة، تعمل الشركات الصينية على تطبيق التكنولوجيا في نطاق واسع من الصناعات.
وعلى رأسها التصنيع والطاقة والنقل. ووفقاً لدراسة حديثة أجراها مركز «راند» للأبحاث، يركز 61% من شركات تطوير الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة حصراً على البرمجيات، مقابل 26% فقط في الصين.
فنحن جميعاً لا نزال نعيش في عالم مادي. والآن لدينا فرصة لإعادة ابتكاره وتحسينه جذرياً. وعلى الذكاء الاصطناعي أن يصبح أكثر تقارباً من العالم المادي.