الاحتيال الجمركي ورصده بالذكاء الاصطناعي

آلان بيتي

حسناً، ما الجديد إذن؟ سأتناول اليوم إضافة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطأ جديداً إلى قائمة أخطائها، من خلال شكوى مطولة بشأن ما تسميه خطأ «إعادة الشحن»، وجدوى ممر الشحن الجديد عبر القطب الشمالي.

خرجت من الإدارة الأمريكية الأسبوع الماضي شكوى مطولة تحمل بصمة مستشار التجارة في البيت الأبيض بيتر نافارو التي لا تخطئها العين. وكان التقرير أشبه بجلسة لتفريغ الغضب، إذ شن هجوماً على الشركاء التجاريين لعدم قيامهم بما يكفي لمنع ما تسميه الإدارة خطأً «إعادة الشحن»، بينما هو في الواقع احتيال يتعلق ببلد المنشأ.

والمقصود بذلك تزوير تصنيف سلع قادمة من دولة تفرض عليها أمريكا رسوماً جمركية مرتفعة، مثل الصين، على أنها قادمة من دولة منخفضة الرسوم، مثل المكسيك. أو أن يتم الادعاء بالخطأ أنها خضعت لـ «تحول جوهري» في دولة ثانية، ما يؤهلها للحصول على معاملة تفضيلية.

ورغم أن التسمية ليست أهم ما في الأمر، فإن «إعادة الشحن» مصطلح تقني بسيط يستخدم لوصف تفريغ البضائع وإعادة تحميلها خلال الطريق إلى وجهتها النهائية، وهي عملية قد تكون مشروعة تماماً لأسباب عدة. لكن استخدام وصف محايد على سبيل الانتقاص يجعل من الصعب الهروب من استنتاج أن نافارو ببساطة لا يحب التجارة الحديثة.

على أي حال، ماذا ستفعل الإدارة تجاه ذلك؟ إحدى أفكارها الأكثر إيجابية هي استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد أنماط يشتبه في أنها تنطوي على غش بقواعد المنشأ. وقد استعانت الإدارة بشركة البيانات «ألتانا» للقيام بذلك.

وتقدر «ألتانا» أنه بعد الرسوم الجمركية التي تم أعلنت في «يوم التحرير» بشهر أبريل الماضي، ارتفعت الشحنات المصنفة «إعادة شحن» 5 أضعاف، من 5 إلى 25 مليار دولار. خصوصاً عبر مسار المكسيك منخفض الرسوم الجمركية، بموجب اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا «USMCA».

وتريد الإدارة تشديد قواعد المنشأ في إطار اتفاقية «USMCA» للتضييق على التحايل، لكن التشديد لا يفيد كثيراً إذا كان هناك إمكانية للالتفاف. وكما أوضح لي إيفان سميث، الرئيس التنفيذي لشركة «ألتانا»:

«لن تنجح القواعد إلا إذا كانت سلطات التفتيش على البضائع يمكنها التحقق مما حدث في المراحل السابقة من سلسلة التوريد. والبيانات المصرح بها سهلة التزوير».

لكن تقدير حجم المشكلة على مستوى الاقتصاد الكلي شيء، ومعالجة كل شحنة على حدة شيء آخر. وبطبيعة الحال، لجأت في هذه المرحلة لأحد نجوم «أسرار التجارة» المفضلين لدي، رايان بيترسن، الرئيس التنفيذي لشركة «فلكسبورت» العالمية لتكنولوجيا الخدمات اللوجستية.

وهو يؤيد المبدأ، لكنه يشير إلى محدودية جدوى استنتاج الاحتيال المتعلق ببلد المنشأ من خلال البيانات المتاحة، مثل «مدة المكوث»، التي تكشف فقط مدة بقاء الشحنة في مكان معين، ولا تكشف ما حدث لها خلال وجودها هناك.

وقال لي بيترسن: «من دون وجود موظفي جمارك يجرون عمليات تفتيش في الموانئ الأجنبية في كل مكان، سيكون من الصعب اكتشاف الاحتيال بمجرد النظر إلى بيانات تدفقات السلع، لإثبات أن المنتجات لم تخضع لتحول جوهري».

وما لم تتمكن الإدارة، وهو أمر مستبعد للغاية، من تدريب قوة عمل عالمية من موظفي هيئة الجمارك وحماية الحدود وإقناع الصين بالسماح بتمركزهم في موانئها، فإن العبء سينتقل إلى شركات مثل «فلكسبورت»، وسيكون ذلك مهرجاناً من الأعمال الورقية.

وقال بيترسن: «ستعتمد الإدارة بدرجة كبيرة على الوسطاء الجمركيين لضمان الامتثال ومكافحة الاحتيال المتعلق ببلد المنشأ. وسيتوجب علينا إجراء قدر أكبر بكثير من عمليات التحقق من العملاء، على نحو يشبه ما يحدث في القطاع المصرفي، وسيرفع هذا التكاليف».

وهنا تكمن المسألة: من المرجح جداً أن يكون هناك بالفعل قدر كبير من الغش، ليس فقط بالتحايل على قواعد المنشأ، وإنما أيضاً عمليات احتيال أبسط، مثل التصريح بقيمة غير صحيحة للشحنات.

وقد كتبت من قبل عن مسألة التصريح بقيم غير صحيحة، في سياق الشركات الأجنبية التي تعمل بوصفها «المستورد الرسمي» في الولايات المتحدة. لكن الحقيقة هي أنه كلما زادت الرسوم الجمركية التي تفرضها، زادت الحوافز للغش.

هناك قدر من الحماس إزاء إعلان شركات النقل البحري الصينية بدأ تشغيل خدمة منتظمة عبر القطب الشمالي خلال أشهر الصيف. فهل نحن أمام عصر جديد من الشحن العالمي، تنخفض فيه مدة الرحلات بين آسيا وأوروبا إلى النصف، ويصبح المرور عبر قناة السويس، أو الدوران حول أفريقيا، مساراً فائضاً عن الحاجة؟

ليس بعد. فهناك أسباب عدة تجعل هذه الخطوة، في هذه المرحلة، أقرب إلى مناورة جيوسياسية صينية منها إلى تحول كبير فيما يتعلق بنقل الحاويات.

وقد أحسن زميلي ريتشارد ميلن عرض بعض هذه الأسباب. فالخدمة ستقتصر على 3 أشهر فقط خلال الصيف، وستكون هناك تكاليف إضافية لتشغيل كاسحات الجليد.

وكذلك مخاطر كبيرة على سمعة شركات الشحن الأوروبية والأمريكية إذا وقعت حوادث بيئية في القطب الشمالي. إضافة إلى ذلك، فإن هذا المسار يخضع للسيطرة الروسية، ما يعني استبدال نقطة اختناق سياسية بأخرى.

وكما أشار بيترسن من شركة «فلكسبورت» لي: «ستضطر الشركات التي تستخدم هذا الطريق إلى توقيع عقود مع شركة كاسحات الجليد الروسية «أتومفلوت»، الخاضعة لعقوبات أمريكية وأوروبية، لذلك لا يمكننا نحن ولا عملاؤنا القيام بذلك».

وبصورة أعم، فإن تصور أن الطريق الجديد سيحل فجأة محل المسارات القائمة ينطوي على سوء فهم. ويقول بول تايلور، الزميل الزائر الأول في المركز الأوروبي للسياسات، الذي أعد تقريراً عن الموضوع: إن الطريق بين الصين وأوروبا ليس سباقاً من نقطة لأخرى.

فسفن الحاويات التي تستخدم المسار التقليدي عبر مضيق ملقا تخدم أسواق المستهلكين على امتداد الطريق، وتتوقف في الموانئ لإعادة شحن الحاويات ونقل البضائع. ولا توجد مثل هذه الفرص في الأراضي المتجمدة القاحلة بشمال روسيا.

كما أن المياه تصبح ضحلة للغاية قرب الطرف الشرقي من الممر القطبي الشمالي، بحيث لا تسمح بمرور سفن الحاويات العملاقة التي تتسع لـ20 ألف وحدة مكافئة، وهي العمود الفقري لقطاع نقل الحاويات الحديث. أما سفن الحاويات التي يمكنها الإبحار في هذا المسار حالياً، فلا تتجاوز سعتها عُشر ذلك. ويقول تايلور من المركز الأوروبي للسياسات:

«من المنظور الصيني، وفي ظل تسييس نقاط الاختناق، من المنطقي إظهار أن لديها مسارات بديلة للشحن. لكن مشكلات نقص البنية التحتية، وغياب موانئ لتفريغ الشحنات وإعادة تحميلها على طول الطريق، وضحالة المياه، تعني أن المسار الشمالي سيواجه صعوبة في أن يصبح ممراً واسع الاستخدام لسفن الحاويات».