هل تعاني أفريقيا قلة تعداد السكان؟

ديفيد بيلينج

هل يمكن أن يكون عدد سكان أفريقيا قليلاً جداً؟ قد تبدو الفكرة في حد ذاتها مستحيلة. فوفقاً للاتجاهات الحالية، سيتضاعف عدد سكان دول القارة الـ54 تقريباً ليصل إلى 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، وبحلول ذلك الوقت سيشكل الأفارقة ربع سكان البشرية.

وفي وقت تنشغل فيه معظم دول العالم بتراجع معدلات المواليد، فإن أفريقيا، حيث تنجب المرأة في المتوسط نحو أربعة أطفال، هي المنطقة الوحيدة التي تشهد ارتفاعاً سريعاً في عدد السكان.

يجد العديد من الشباب المحبطين أنفسهم مضطرين للكفاح من أجل الفتات في القطاع غير الرسمي. ومن المؤكد أن المشكلة تكمن في كثرة السكان، لا قلتهم.

لكنّ هناك أسباباً قوية تدعو إلى الاعتقاد بأن كثيراً من مشكلات أفريقيا يعود إلى النقص المزمن في عدد السكان. ويخلص جو ستودويل، خبير اقتصاديات التنمية، في كتابه الصادر حديثاً «كيف تعمل أفريقيا»، إلى أن أهم أسباب الفقر في القارة كان انخفاض الكثافة السكانية.

ويقول: إن هذا الوضع بدأ يتغير بفضل عقود عدة من النمو السريع. وبحلول عام 2030، ستصل الكثافة السكانية في أفريقيا أخيراً إلى المستوى الذي كانت عليه في آسيا نحو عام 1960. وما يراه كثيرون انفجاراً سكانياً مقلقاً، يعتبره ستودويل «عملية متأخرة للغاية لتطبيع ديموغرافي».

وتستحق هذه الحجة النظر فيها بجدية. أولاً، ما مدى انخفاض الكثافة السكانية في أفريقيا؟ حتى اليوم، وبعد عقود من النمو، يبلغ عدد سكانها 1.5 مليار نسمة، وهو تقريباً العدد نفسه لسكان الهند، رغم أن مساحة أفريقيا تعادل تسعة أضعاف مساحة الهند.

وكان الوضع أسوأ تاريخياً. فقد ظل عدد السكان منخفضاً بسبب ضعف التربة وانتشار أمراض مثل الملاريا. كما قضى مرض النوم على أعداد كبيرة من الحيوانات الداجنة، ما أدى إلى خفض إنتاج المحاصيل بحرمان المزارعين من العمالة والسماد.

وانتزعت تجارة الرقيق من أفريقيا أكثر من 15 مليوناً من أصغر سكانها وأكثرهم قوة وصحة. وفي مطلع القرن العشرين، كانت الكثافة السكانية في القارة أقل من تلك التي كانت عليها إنجلترا عام 1066.

كما أدت الأمراض المعدية وضعف إنتاج الغذاء إلى عرقلة نشوء المدن، التي تمثل محركات النمو الاقتصادي. ففي عام 1900، كانت مومباسا، التي كان عدد سكانها 30 ألف نسمة، مدينة أفريقية ضخمة.

وكتب جوزيف كي-زيربو، المؤرخ الراحل من بوركينا فاسو، أن أفريقيا «منعت من بلوغ مستوى التركز السكاني الذي كان في معظم الأحيان أحد الشروط المسبقة للتحولات النوعية الكبرى في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية».

ولم يبدأ عدد السكان في الوصول إلى مستويات طبيعية إلا خلال القرن العشرين، عندما أدت التطورات الطبية إلى خفض معدلات الوفيات بصورة حادة. نتيجة لذلك، ارتفع معدل النمو السكاني من نحو 0.8 % في ثلاثينيات القرن الماضي إلى ذروة بلغت 2.9 % في ثمانينياته.

ويرى ستودويل أن انخفاض الكثافة السكانية تاريخياً حرم أفريقيا من الأسواق المركزة وقواعد العمالة اللازمة للتنمية. ومن دون «اقتصادات التكتل»، أي المنافع التي تنشأ عن ارتفاع الكثافة السكانية، كان توفير الطرق وشبكات الكهرباء والمدارس والمستشفيات، وهي جميعاً مقومات تحتاج إليها أي دولة ناجحة، مكلفاً للغاية.

ومع اقتراب الكثافة السكانية من مستوياتها الطبيعية، تظهر مؤشرات على أن بعض الدول بدأت تتجاوز هذا الإرث. وأصبحت القارة تشهد تحسناً واسعاً في مجالات عدة، من ارتفاع إنتاجية المحاصيل وزيادة الوصول إلى المدارس، إلى توافر الكهرباء.

وأصبحت أعداد السكان تتركز بما يكفي لتحقيق النمو الاقتصادي الذي يتحقق بسهولة أكبر في البلدات والمدن. ورغم المشكلات الواضحة التي تعاني منها القارة، فقد تسارع النمو منذ مطلع القرن الحالي.

ومن المتوقع أن ينمو اقتصاد دول جنوب الصحراء الأفريقية بنسبة 4.3 % هذا العام، وهو معدل يوازي تقريباً معدل النمو في آسيا التي تشهد تباطؤاً. وقد حققت بعض الاقتصادات، مثل إثيوبيا وساحل العاج، نمواً بنسبة 7 % على مدى 15 عاماً. وإذا استمر ذلك لجيل آخر، فقد تتغير أوضاعها الاقتصادية بصورة جذرية.

لكن تاريخ قلة السكان لا يمكنه تفسير كل شيء. وحتى إذا كانت الكثافة السكانية المنخفضة تكمن وراء كثير من صعوبات أفريقيا، فلا ضمان لأن يؤدي تركز السكان بصورة أكبر إلى دفع القارة إلى الأمام.

ولتحقيق عائد ديموغرافي على غرار آسيا، تحتاج الحكومات أيضاً إلى سياسات جيدة. فالقيادة الضعيفة، والبنية التحتية المتردية، والفساد، والاضطرابات الاجتماعية، كلها عوامل يمكن أن تحد فرص الانطلاق الاقتصادي.

وأخيراً، هناك مخاوف من أن تكون أفريقيا قد فوتت الفرصة. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، قد ينغلق سريعاً المسار الصناعي الذي كان يمكن أن يخرج القارة من الفقر.

ومن المرجح أن تحقق بعض الدول الأفريقية نتائج ضعيفة، فيما تحقق دول أخرى نتائج أفضل مما يتوقعه كثيرون. وإذا قبلنا فرضية أن انخفاض الكثافة السكانية أعاق تقدم القارة، فإن بلوغ أفريقيا أخيراً خط البداية الديموغرافي يمثل خبراً جيداً. وربما تتمكن القارة من مفاجأة المشككين فيها.