«المدينة الشمالية» بوابة جديدة بين هونج كونج والصين

وليام لانغلي

من المناطق الريفية الشمالية في هونج كونج، تلوح أبراج شنجن، مركز التكنولوجيا، في الأفق، معلنة عن الحدود مع بر الصين الرئيسي. لكن سرعان ما سيقرّب مشروع طموح بين الجانبين أكثر من أي وقت مضى؛ فهناك مبادرة ضخمة للبنية التحتية تستهدف تحويل مساحة واسعة من الأراضي، تنتشر فيها مزارع الأسماك والبلدات والأراضي الصناعية المهجورة، إلى حزام صناعي وتكنولوجي يعيد الحيوية إلى المركز المالي الآسيوي.

وتأمل السلطات أن يضخ المشروع، الذي أطلق عليه اسم «المدينة الشمالية»، الحياة مجدداً في اقتصاد هونج كونج، الذي تضرر بسبب احتجاجات مناهضة للحكومة عام 2019 وقيود مكافحة «كوفيد» التي أدت إلى نزوح السكان وتراجع الاستثمارات الأجنبية.

كما ترى السلطات في المشروع وسيلة لربط الإقليم بالصين بصورة أوثق، من خلال نقل مركز الثقل التجاري شمالاً باتجاه الحدود وتعميق التكامل مع مدن البر الرئيسي.

وكشف النقاب عن المشروع للمرة الأولى عام 2021، وهو يستهدف تحويل أجزاء غير مستغلة من الأقاليم الجديدة إلى أربعة مراكز اقتصادية تركز على التجارة والخدمات المهنية والتكنولوجيا والسياحة البيئية، وتمتد على مساحة 30 ألف هكتار، أي ما يعادل ثلث مساحة أراضي هونج كونج.

ومع تنفيذ مجموعة كبيرة من مشاريع التطوير السكني الجديدة، ستوفر المنطقة في نهاية المطاف مساكن لنحو 2.5 مليون شخص، وفقاً للحكومة، بما يساعد على تخفيف أزمة الإسكان المستمرة منذ عقود.

ويشمل ذلك 1.1 مليون شخص يقيمون حالياً في منطقة المشروع، إلى جانب استقطاب سكان جدد من المناطق الحضرية المكتظة في هونج كونج، ومن الصين وخارجها، من خلال توفير فرص عمل وإتاحة الوصول إلى أسواق البر الرئيسي.

وبالنسبة إلى السلطات، تمثل «المدينة الشمالية» جزءاً محورياً من مشروع «منطقة الخليج الكبرى» كما تسميه بكين، وهي شبكة تضم 11 مدينة في دلتا نهر اللؤلؤة، وينظر إليها باعتبارها مدينة عملاقة تنافس وادي السيليكون أو طوكيو.

وقال سوني لو، الأستاذ في جامعة هونج كونج: «تولي حكومة هونج كونج أهمية كبيرة لتطوير المدينة الشمالية». وأضاف «تتمثل الفكرة في دمج الجزء الشمالي من هونج كونج اقتصادياً ولوجستياً واجتماعياً مع منطقة الخليج الكبرى، وخصوصاً شنجن، بوتيرة أسرع بكثير».

وقال محللون: إن المشروع يعكس نهجاً أكثر جرأة في وضع السياسات في هونج كونج. فبعد احتجاجات عام 2019، فككت السلطات أجزاء كبيرة من المجتمع المدني، وقيدت المعارضة، وأعادت هيكلة النظام التشريعي بما أدى إلى استبعاد المعارضة السياسية.

وقال سوني لو «في السابق، كان وجود مجتمع مدني قوي يعارض الحكومة، إلى جانب الإجراءات القانونية التي يتخذها أصحاب المصلحة، قادراً على تأخير العملية.

أما الآن، فيمكننا أن نرى أن العقبات التي كانت تعترض الطريق قد أزيلت بالفعل». كما يحاكي المشروع النموذج الصيني في تحفيز النمو من خلال مشروعات بنية تحتية عملاقة، مع التركيز على القطاعات ذات الأولوية، مثل التكنولوجيا.

وفي أكتوبر، سلط جون لي، الرئيس التنفيذي لهونج كونج، الضوء على «المدينة الشمالية» باعتباره أحد أعمدة الخطة الخمسية، وهي أول خطة من نوعها في تاريخ هونج كونج، في خطوة تحاكي الخطط الصينية المميزة للتنمية الاقتصادية.

كما حث شيا باولونغ، المسؤول الصيني الأعلى المكلف بشؤون هونج كونج، على تسريع تنفيذ المشروع. وقال لمسؤولي هونج كونج خلال جولة استمرت يومين في الإقليم في يونيو، إنه ينبغي الاستفادة إلى أقصى حد من «نافذة الفرص الثمينة» لتسريع التنمية، وفقاً لمسؤول محلي.

وبالنسبة إلى مؤيدي المشروع، فإن دعم بكين يمثل نعمة. فقد يساعد «المدينة الشمالية» في تنويع اقتصاد هونج كونج بعيداً عن ركائزها التقليدية المتمثلة في التمويل والتجارة، والاستفادة من طفرة التكنولوجيا التي دفعت النمو في مقاطعة جوانجدونج المجاورة.

وقال جيفري لام، النائب السابق في المجلس التشريعي والرئيس الذي تم تعيينه حديثاً للشركة المسؤولة عن تطوير هونغ شوي كيو، إحدى أولى المناطق الصناعية في المشروع «في السابق، كان بعض الناس لا يريدون ببساطة التعامل مع البر الرئيسي».

وأضاف «نحن جزء من جمهورية الصين الشعبية، وقد مدوا يد المساعدة عندما كانت هونج كونج في حاجة إليها». وعبر عن أنه يأمل في أن يتمكن المجمع في نهاية المطاف من إقامة ترتيبات بلا حدود مع تشيانهاي، وهي منطقة اقتصادية خاصة تقع على الجانب الآخر من خليج شنجن.

وقدر محللون في وكالة «ستاندرد آند بورز» أن تتجاوز تكلفة المشروع 360 مليار دولار هونج كونج، أي نحو 46 مليار دولار، خلال السنوات الخمس إلى الست المقبلة.

وهو رقم يتجاوز تقديرات الحكومة البالغة 224 مليار دولار هونج كونج. وقالت الوكالة إن نحو 140 مليار دولار هونج كونج من هذه التكلفة ستتحملها كيانات مرتبطة بالحكومة.

ويمثل المشروع أيضاً سابقة جديدة لهونج كونج باتجاه نموذج التنمية القائم في البر الرئيسي، حيث تستخدم الحكومة مزيجاً من التمويل عبر الديون وحصص الملكية والشراكات مع القطاع الخاص لتمويل مشروعات التطوير. وقالت وكالة التصنيف إن هونج كونج كانت في السابق تمول مشروعات البنية التحتية واسعة النطاق من خلال فوائضها المالية الكبيرة.

وقد اجتذبت أول مناقصة لبيع الأراضي ضمن مشروع «المدينة الشمالية»، والمرتبطة بمجمع هونغ شوي كيو، عرضين فقط الشهر الماضي؛ أحدهما من شركة «هندرسون لاند» العقارية في هونج كونج، والآخر من تحالف يضم مطورين عقاريين صينيين ومجموعة التجارة الإلكترونية «جي دي دوت كوم».

وفي رد على طلب للتعليق، قالت إدارة التنمية في هونج كونج إن «المدينة الشمالية» توفر «نقطة اتصال استراتيجية مع منطقة الخليج الكبرى».

وقال جاري نج، كبير الاقتصاديين في بنك الاستثمار الفرنسي «ناتيكسيس»: إن هونج كونج يمكنها الاستفادة من نقاط قوتها في البحث والتطوير، في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية.

لكنها قد تواجه صعوبة في منافسة المراكز الأقل تكلفة في شنجن وجوانجدونج.وأضاف «تحاول حكومة هونج كونج تعزيز الابتكار منذ 30 عاماً، لكن لا ترتقي كل المشروعات فعلياً إلى مستوى التوقعات».

ومن بين المشروعات العملاقة السابقة مشروع «رؤية لانتو غدا»، وهو خطة لتعمير أراضٍ جديدة بتكلفة 580 مليار دولار هونج كونج، تشمل منطقة أعمال جديدة ومساكن لما يصل إلى 1.1 مليون شخص على مجموعة من الجزر الاصطناعية. وتم تعليق المشروع لأجل غير مسمى في عام 2024.