علي واين.. كبير مستشاري الأبحاث ومناصرة العلاقات اﻷمريكية الصينية في مجموعة الأزمات الدولية
خلال لقائه في شهر مايو الماضي بالرئيس الصيني شي جين بينج، قال الرئيس اﻷمريكي دونالد ترامب لنظيره إنه «لشرف كبير أن أكون صديقك». وفي مقابلة أجريت معه في يونيو، وصف ترامب شي بأنه «رجل ذكي للغاية» وذو «مكانة عظيمة» و«ثقة كبيرة بالنفس».
ولن يجرؤ أي صانع قرار أمريكي آخر على استخدام مثل هذه اللغة لوصف رئيس أعتى منافس للولايات المتحدة؛ فقبل فترة وجيزة من نشر مقابلة ترامب، أقر مجلس الشيوخ قراراً يدين فيه شي بوصفه «ديكتاتوراً»، ووجه إليه تهم «تقويض آفاق السلام والأمن، وتدبير جرائم ضد الإنسانية».
رغم ذلك، هناك جانب إيجابي في نهج ترامب غير التقليدي؛ إذ إنه يفسح مجالاً سياسياً يتيح لصناع القرار الإقرار بأن تحقيق «نصر» أمريكي حاسم على الصين أمر بعيد المنال، إن لم يكن مستحيلاً.
كما يتبنى ترامب رؤية ضيقة للمنافسة الاستراتيجية تقتصر في المقام الأول على حجم الفائض التجاري الصيني وصادرات الصين بداية من المواد الأولية إلى صناعة الفنتانيل، بخلاف الرؤية الشاملة والمتوسعة التي يعتنقها العديد من المشرعين اﻷمريكيين.
وهو يعتقد أن الدبلوماسية على مستوى القادة قادرة على تجاوز الخلافات الهيكلية لإقامة علاقة قائمة على التعاون في جوهرها.
وتشير البيانات الحديثة إلى أن ترامب أكثر انسجاماً مع الرأي العام مما قد توحي به الخطابات المتداولة في مبنى الكابيتول. ورغم أن معظم اﻷميركيين ما زالوا ينظرون إلى الصين بنظرة غير ودية، فإن استطلاعاً أجراه مركز «بيو» للأبحاث في يناير 2026 كشف عن انخفاض نسبة من يصفونها بـ«العدو» من 42 % في مارس 2024 إلى 28 %.
والأهم من ذلك وجود فجوة بين الأجيال تجاوزت الانقسامات الأيديولوجية؛ حيث يوضح مركز «بيو» أن 32 % فقط من الجمهوريين و10 % من الديمقراطيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً يصفون الصين بالعدو، مقارنة بـ 55 و18 % على التوالي بين من تبلغ أعمارهم 50 عاماً فما فوق.
والمثير للدهشة، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة كارنيجي في نوفمبر 2025، أن 27 % فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يعتقدون أن حياتهم ستصبح «أسوأ» إذا تجاوزت القوة الصينية نظيرتها اﻷمريكية، مقارنة بـ 52 % لدى الفئة العمرية 65 عاماً فما فوق.
كما أظهر استطلاع أجراه معهد «سيرتش لايت» في مارس 2026 أن 62 % ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً يرغبون في أن «تتعاون الولايات المتحدة مع الصين وأن تتحسن العلاقات بين البلدين»، في حين يفضل 29 % فقط «مواجهة الصين».
وفي حين قد يكون صعود الصين كقوة منافسة ومكافئة أمراً مزعجاً لكبار السن من اﻷمريكيين، يبدو الشباب أكثر اعتياداً على قوتها المتنامية وريادتها في مجالات تكنولوجية عدة. ولأن الشباب اﻷمريكيين أكثر تشاؤماً بشأن تطلعاتهم الاقتصادية مقارنة بمن هم أكبر سناً، فهم أكثر ميلاً لمنح الأولوية لقضايا تكلفة المعيشة في الداخل على حساب منافسة القوى الكبرى في الخارج.
ومن اللافت أنه وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «أمريكان كومباس» في مايو 2026، فإن 82 % من المشاركين من الجيل «زد» يجدون أن العلاقة الاقتصادية الثنائية كانت «جيدة جداً» أو «إيجابية أكثر منها سلبية» بالنسبة للولايات المتحدة على مدار الربع قرن الماضي، كما يرغب 68 % منهم في تشجيع الاستثمارات الصينية.
ورغم أن العديد من خبراء الشؤون الصينية في واشنطن يرون أن القوة المتعاظمة لبكين والقلق الواسع النطاق في الكونجرس سيجبران الولايات المتحدة في النهاية على استئناف نهج أكثر صدامية. إلا أن الشارع اﻷمريكي لا يبدو في الوقت الحالي ميالاً لدعم «حرب باردة جديدة».
ومما يدعو للسخرية أن عثرات ترامب السياسية قد تحول دونه ودون الاستفادة من المساحة السياسية التي خلقها لإرساء انفراج دائم ومستدام بين واشنطن وبكين، إذ إن تحقيق ذلك يتطلب خبرة واستمرارية.
رغم ذلك، فقد أفرغ ترامب جزءاً كبيراً من الأجهزة الحكومية اﻷمريكية التي كان بإمكانها مساعدته في ترجمة رؤاه إلى سياسات عملية، كما أعاق الطموح اﻷمريكي لإعادة التوازن نحو آسيا عبر خوضه حرباً اختيارية ضد إيران.
وبعد مغادرة ترامب منصبه، ينبغي على صناع القرار اﻷمريكيين ألا يفترضوا أن حلفاء البلاد سيدعمون مساعي جديدة لإعادة التوازن ضد الصين، وألا يتوقعوا كذلك أن التلويح بـ«الخطر الصيني» سيبث في نفوس الشباب اﻷمريكيين شعوراً وطنياً نحو هدف مشترك.
