الاتحاد الأوروبي يحدد أولوياته المصرفية والعبرة بالتنفيذ

إغناسيو أنجيلوني.. عضو سابق في مجلس الإشراف بالبنك المركزي الأوروبي وزميل أول في جامعة بوكوني ومؤسسة SAFE

في ما قد يمثل أكبر تحوّل في سياسة الاتحاد الأوروبي المصرفية منذ إطلاق البنك المركزي الأوروبي الإشراف الموحد على القطاع المصرفي عام 2014، أصدرت المفوضية الأوروبية أخيراً ورقة تحدد أولويات التشريعات المصرفية المستقبلية، وتحمل هذه الوثيقة ميزتين جديدتين تستحقان الترحيب.

أولى هاتين الميزتين أن القدرة التنافسية للقطاع المصرفي الأوروبي أصبحت تحتل موقع الصدارة.

فبحسب منطق الوثيقة، فإن تحقيق الأهداف الأوروبية في عالم يتسم بالانقسام وتراجع التعاون الدولي يتطلب أن تكون البنوك الأوروبية قادرة على منافسة نظيراتها العالمية، خصوصاً الأمريكية، التي تتفوق عليها حالياً في معظم مجالات النشاط، وخصوصاً الخدمات المصرفية الاستثمارية.

ويشكل هذا التوجه تحوّلاً طال انتظاره بعد عقود كان ينظر فيها إلى جعل البنوك أكثر أماناً باعتباره الهدف الوحيد، أو على الأقل المفتاح لتحقيق جميع الأهداف الأخرى.

ولا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أن الاستراتيجية الجديدة تصف تجزؤ القطاع المصرفي كأحد أبرز أسباب الضعف. فالاتحاد الأوروبي يفتقر إلى مؤسسات مصرفية عابرة للقارة بالمعنى الحقيقي؛ إذ إن البنوك التي تتصدر أسواقها المحلية قد تكون كبيرة داخل بلدانها، لكنها تبقى صغيرة على الساحة العالمية.

كما أن النشاط المصرفي العابر للحدود يواجه عراقيل بسبب التشريعات الأوروبية. فضلاً عن مواقف السياسيين في الدول الأعضاء الذين ينظرون إلى البنوك المحلية باعتبارها أدوات نفوذ ووسائل لخدمة الأهداف الوطنية.

ورغم أن هذه الحقيقة معروفة منذ وقت طويل، فإن ذكرها صراحة في وثيقة رسمية صادرة عن الاتحاد الأوروبي يعد أمراً غير مسبوق.

رغم ذلك، فإن الإعلان عن استراتيجية جديدة لا يضمن بالضرورة حدوث تغيير حقيقي. فالعبرة تبقى بالتنفيذ. ويتمثل التحدي المباشر أمام الاتحاد الأوروبي في إعداد وإقرار إطار قانوني يترجم هذه الاستراتيجية إلى واقع. وهنا تحديداً كثيراً ما تتحطم الآمال الكبيرة.

فالحاجة إلى حشد تأييد أغلبية الدول الأعضاء عادة ما تفتح الباب أمام صفقات ومساومات سياسية. نتيجة لذلك، قد تفقد المقترحات قوتها تدريجياً، بل وقد تصبح مختلفة تماماً عما كانت عليه في البداية.

ولا مفر من التفاوض السياسي، لكن ينبغي للمفوضية الأوروبية أن تحدد منذ البداية الخطوط الحمراء التي لن تتنازل عنها، وفي مقدمتها مبدأ أساسي يتمثل في أن البنوك التي تمتلك الطموح والقدرة على العمل عبر الحدود الوطنية يجب أن تخضع لإطار تنظيمي «محايد تجاه الدول»، بحيث يطبق عليها حصراً القانون الأوروبي وتخضع للسلطات الأوروبية، بعيداً عن القواعد الوطنية.

ولهذا، ينبغي إزالة القيود التي تلزم حالياً المجموعات المصرفية العابرة للحدود بالامتثال لمتطلبات الرقابة الاحترازية في كل دولة تمارس فيها نشاطها، بدلاً من الاكتفاء بتطبيق تلك المتطلبات في الدولة التي يوجد فيها مقرها الرئيسي.

ويبدو أن المفوضية الأوروبية تميل إلى منح البنك المركزي الأوروبي صلاحية إصدار إعفاءات تنظيمية في هذا المجال. لكن ذلك سيكون، في رأيي، خطوة خاطئة. فقرارات الإشراف داخل البنك المركزي الأوروبي تتخذ بالأغلبية البسيطة داخل مجلس يضم 21 ممثلاً وطنياً وستة أعضاء أوروبيين. وفي مثل هذا التكوين، يسهل تشكيل تحالفات تدعم مطالب وطنية، سواء بصورة مباشرة أم عبر تبادل المنافع بشكل ضمني.

وعندئذ، فإن مبدأ «الحياد تجاه الدول»، رغم إقراره نظرياً، سيواجه صعوبات كبيرة عند تطبيقه عملياً. ولتفادي ذلك، ينبغي أن ينص قانون أوروبي نافذ وبصورة مباشرة، وبشكل واضح لا يقبل التأويل، على أن البنوك العاملة عبر الحدود، أو على الأقل البنوك الكبرى منها، يجب أن تخضع للتنظيم والإشراف على المستوى الأوروبي وحده.

وهناك ثغرة أخرى في هذه الاستراتيجية، رغم ما تحمله من إيجابيات، تتمثل في حصر مفهوم التكامل المصرفي داخل أوروبا القارية فقط. فالقطاع المصرفي الأوروبي، سواء أكان مجزأً أم متكاملاً، لا يفصله عن أحد أهم المراكز المصرفية والمالية في العالم سوى نحو 20 ميلاً بحرياً.

ومن اللافت أن بيان المفوضية الأوروبية لا يذكر المملكة المتحدة مطلقاً. لكن السعي إلى تعزيز التكامل المصرفي الأوروبي مع تجاهل بريطانيا لا يبدو منطقياً. فالولايات المتحدة تتفوق في تكوين المدخرات، بينما تتصدر المملكة المتحدة في إدارة تلك المدخرات. وهو تكامل طبيعي يبدو أن تجربة البريكست لم تضعفه، بل عززته.

فبين عام 2016 ونهاية عام 2024، ارتفعت تجارة الخدمات المالية عبر القنال الإنجليزي بأكثر من 50 % في كلا الاتجاهين. ومن الواضح أن مصالح الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تتقاطع في تعزيز التكامل المالي المتبادل.

وفي الوقت الذي يمثل فيه إصلاح التشريعات الأوروبية أولوية للاتحاد، ينبغي أن يسير بالتوازي معه مسار آخر يهدف إلى تقريب القطاعين الماليين في الجانبين، عبر تسهيل التعاملات وإزالة الحواجز التنظيمية.

ويعد إعادة إرساء مبدأ التكافؤ الرقابي بين الجهات التنظيمية في الجانبين، بما يسد الفجوة التي نشأت خلال السنوات الأخيرة، الخطوة الأولى في هذا الاتجاه.

كما ينبغي تسهيل تبادل الكفاءات المهنية وتعزيز حرية حركة رؤوس الأموال. وعلى المدى الطويل، يجب أن يكون الهدف هو التوصل إلى اتفاق شامل يغطي جميع جوانب تجارة الخدمات المالية.

وبقيادة مفوضة الخدمات المالية ماريا لويس ألبوكيركي، خطا الاتحاد الأوروبي خطوة مهمة في الاعتراف بالحقائق والتحديات التي يواجهها قطاعه المصرفي.

ولا تزال المهمة بعيدة عن الاكتمال، كما أنها ليست خالية من العقبات. لكن بعدما أصبحت الوجهة أكثر وضوحاً، تبدو فرص إحراز تقدم حقيقي واعدة، وهي فرصة ينبغي عدم التفريط بها.