ديان كويل
بعد أقل من أسبوعين على انتقال رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام إلى مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت، استقر النقاش حول سياساته الاقتصادية على السؤال المعتاد: كيف سيمول وعوده؟
فإذا كان إلغاء مشروع بطاقات الهوية الرقمية سيتيح المجال لإلغاء ضريبة القيمة المضافة على فواتير الطاقة، فمن أين كان سيتم تمويل مشروع بطاقات الهوية أصلاً؟ وما التخفيضات التي ستغطي تكلفة تحديد الحد الأقصى لتعرفة الحافلات عند 2 جنيه استرليني؟
إنها طريقة عبثية للتفكير في الانضباط المالي. فهذه البنود لا تمثل سوى أجزاء ضئيلة من الإنفاق الحكومي، ولن تكون هي العامل الذي يحدد ما إذا كانت الحكومة ستلتزم بقواعدها المالية أم لا.
كما أن الانشغال المفرط بهذه التغييرات الصغيرة يجعل من شبه المستحيل تكوين رؤية متماسكة بشأن الاستراتيجية المالية للدولة.
وللأسف، فإن الإطار الذي تدار من خلاله الضرائب والإنفاق الحكومي في المملكة المتحدة أصبح معطلاً. فالطريقة التي تتفاوض بها وزارة الخزانة ومكتب مسؤولية الموازنة بشأن قرارات الإنفاق تؤدي إلى صنع قرارات سيئة للغاية.
وخلال مشروع بحثي استمر 5 سنوات بتمويل من «مؤسسة نوفيلد»، أجرينا فيه عشرات المقابلات مع أشخاص يعملون في تقديم الخدمات العامة، كان السؤال الأول، والأخير، الذي يطرح عند مناقشة أي مقترح سياسي هو «كيف سيقيم مكتب مسؤولية الموازنة هذا المقترح؟».
وكان بورنهام أحد الذين أجرينا معهم مقابلات عندما كان يشغل منصب عمدة مانشستر الكبرى. ومثل غالبية من لديهم خبرة ميدانية، كان ينظر بسلبية إلى أسلوب صنع القرار في الحكومة المركزية.
فقد قال لنا: «إن النهج التقليدي لوزارة الخزانة، إلى جانب ما يعرف بالكتاب الأخضر، أسهما في خلق بلد غير متكافئ إلى حد كبير. فالهوة بين شمال إنجلترا وجنوبها ليست مصادفة، بل هي نتيجة للسياسات. وعلى وزارة الخزانة أن تتأمل ذلك بعمق».
ولا شك أن الوزارة تتأمل في هذا بالفعل. وبعد ما يقرب من عشرين عاماً من المساهمة في وضع الاستراتيجية الاقتصادية لمانشستر، أجد أنه سيكون من المشجع أن توجد نية جادة لنقل مزيد من الصلاحيات المالية إلى السلطات المحلية. وهو أمر يبعث على السرور بقدر وجود رئيس وزراء يتحدث بلكنة أبناء شمال إنجلترا.
وما علاقة كل ذلك بالقواعد المالية؟
لا شك أن الانضباط المالي أمر مهم، كما أن نسبة الدين العام في المملكة المتحدة مرتفعة إلى مستوى يثير القلق، خصوصاً أن المستثمرين الأجانب يمتلكون نحو ثلث السندات الحكومية البريطانية. بالتالي، فإن سوق السندات يفرض بالفعل قيوداً على السياسات الحكومية.
لكن المبدأ الأساسي الذي ينبغي أن يحكم الإنفاق الحكومي هو تحقيقه للنتائج المرجوة. فهذا هو العائد الحقيقي الذي يجب أن نسعى لتحقيقه من الاستثمار العام. وقد أوضحت أبحاثنا أن النظام الحالي عاجز، من حيث الأساس، عن تحقيق هذا الهدف.
فوزارة الخزانة يمكنها متابعة الأموال حتى لحظة خروجها من أبواب الوزارات، لكنها بعد ذلك تتوزع بين مؤسسات متفرقة، وطنية ومحلية، عامة وخاصة، وهيئات مستقلة وجمعيات خيرية، من دون تنسيق فعلي أو مساءلة واضحة، ومن دون قدرة على الاستثمار طويل الأجل، أو حتى إجراء تقييمات كافية للنتائج.
وهذا العجز عن التحكم في كيفية إنفاق الأموال فعلياً أو في النتائج التي تحققها يدفع وزارة الخزانة إلى التشدد المفرط عند مرحلة اتخاذ القرار.
ولدي قائمة تضم 10 أدلة وقواعد مالية يجب على أي وزارة إنفاق الالتزام بها عند تقديم خططها إلى وزارة الخزانة، من بينها «الكتاب الأخضر» سيئ السمعة.
ويعكس هذا التدقيق المبالغ فيه الطبيعة المجزأة لهيكل الوزارات، حيث يتحول الأمر إلى تبادل للاتهامات عند وقوع أي إخفاق.
وهو ما يرسخ دائرة مستمرة من انعدام الثقة بين الحكومة المركزية والجهات التي تقدم الخدمات على أرض الواقع.
ولهذا السبب، شهدت المجالات التي تناولناها في دراستنا، مثل السجون، والتشرد، واحتياجات التعليم الخاص، تراجعاً في النتائج، وهو ما يقود حتماً إلى المطالبة بمزيد من الإنفاق، ثم إلى مزيد من تدخل وزارة الخزانة، لتتكرر الحلقة من جديد.
فحتى أكثر موظفي الخدمة المدنية في وايتهول كفاءة وإخلاصاً، وكثير منهم يعملون في وزارة الخزانة، لا يمكنهم أن يعرفوا ما إذا كان مدير أحد السجون يحتاج إلى تجديد الحمامات، أم أن الأولوية ينبغي أن تكون لدفع مستحقات العمل الإضافي للموظفين.
إن هذا النظام بحاجة إلى إعادة ضبط شاملة، وإلا فإن ما يسمى بـ«الهامش المالي» الذي تتحدث عنه الحكومات سيستمر في التقلص.
كما يجب أن يصبح الإنفاق العام أكثر كفاءة من خلال نقل صلاحيات اتخاذ القرار، وربطها بالمساءلة عن النتائج.
فالقرارات اللا مركزية تستفيد من المعلومات التفصيلية المتوافرة محلياً، كما أن التنسيق على المستوى المحلي أسهل بكثير مما هو عليه في مكاتب وايتهول.
كذلك فإن السكان المحليين يعرفون تماماً من يتحمل المسؤولية إذا كانت الخدمات دون المستوى المطلوب.
وينبغي لوزارة الخزانة ومكتب مسؤولية الموازنة الاتفاق على إطار مالي استراتيجي طويل الأجل، بدلاً من الانشغال بحسابات قصيرة الأجل.
كما يجب أن يتضمن هذا الإطار الاستثمار العام، الذي يحتاج إلى سنوات طويلة حتى ينعكس على النمو الاقتصادي، ولذلك لا يحظى عادة بتقييم مرتفع في توقعات مكتب مسؤولية الموازنة. لكن إذا لم ينفذ هذا الاستثمار، فلن يتحقق النمو المنشود أبداً.
ومن أبرز الدروس المستفادة من تجربة مانشستر أن سياسات التعليم والتوظيف والصحة تحتاج إلى وقت حتى تنعكس آثارها في بيانات الناتج المحلي الإجمالي.
لكن خلال تلك الفترة يكون الناس قد اكتسبوا مهارات أفضل، وحصلوا على وظائف أفضل، وتمتعوا بصحة أفضل.
وبعد نحو عشرين عاماً من أول اتفاق لنقل الصلاحيات إلى المدينة، أصبحت منطقة مانشستر الكبرى تجني ثمار ذلك في صورة نمو اقتصادي.
ومن خلال ما أعلنه بورنهام حتى الآن، يبدو لي أنه استوعب هذا الدرس جيداً.