سوق مفتوحة لبيع وشراء حسابات مواقع التواصل الاجتماعي!

مادلين رايت
في مارس الماضي، تم بيع حساب على منصة «إنستغرام» يضم أكثر من 390 ألف متابع مقابل 6 آلاف دولار.

وكان حساب «MonkeyLogic» ينشر رسوماً كرتونية بسيطة تشرح الأخبار من خلال شخصية قرد متحرك.

ومن بين منشوراته: «القرد يصل إلى محطة الوقود. يملأ الخزان نفسه الذي ملأه الشهر الماضي، لكن السعر أصبح أعلى بنسبة 40%. القرد في حيرة... ماذا حدث؟»، في محاولة مبسطة لشرح أزمة الطاقة العالمية.

لكن بعد أسابيع قليلة من إتمام الصفقة، بدأت طبيعة المحتوى تتغير. فبدلاً من الرسوم الإخبارية، تحول الحساب إلى منصة للترويج للمنتجات الرقمية. ويقول المالك الجديد، رائد الأعمال الليتواني أرناس جينتالاس، إن الحساب حقق نحو 2000 دولار من عائدات الرعاية والمبيعات خلال الأسبوعين الأولين فقط.

فلماذا يقضي شخص أشهراً في بناء جمهور يمكن تحقيق أرباح منه، بينما يستطيع شراء جمهور جاهز بضغطة زر؟ فقد أدى انتشار بيع وشراء حسابات التواصل الاجتماعي المستعملة إلى ظهور صناعة جديدة تضم أصحاب الحسابات الذين ينشئونها، والوسطاء الذين يشترونها ويعيدون بيعها، إضافة إلى المحررين الذين يتولون إنتاج المحتوى باستمرار للحفاظ على نشاطها.

ويقول ريحان أحمد إنه بدأ شراء قنوات «يوتيوب» وبيعها خلال دراسته الهندسة المدنية في باكستان. وبعد ثلاثة أعوام، تحول هذا النشاط إلى عمله بدوام كامل.

ويوضح أن بعض المشترين يواصلون نشر النوع نفسه من المحتوى، بل قد يدفعون مبلغاً إضافياً للحصول على دليل يشرح كيفية إدارة القناة، بينما يسعى آخرون إلى تغيير هويتها بالكامل وتحويلها إلى مشروع مختلف.

ووفقاً لبحث أجراه أليخاندرو كويفاس، الباحث في مركز سياسات تكنولوجيا المعلومات بجامعة برينستون، شهدت منصة «DealBaron» نحو 6300 صفقة لبيع حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي بين يونيو وديسمبر من العام الماضي، بقيمة إجمالية بلغت 1.4 مليون دولار.

وتشمل الحسابات المعروضة للبيع منصات «إنستغرام» و«يوتيوب» و«تيك توك» و«إكس» و«فيسبوك» و«تيليغرام»، وتتراوح أسعارها بين 5 دولارات و19 ألف دولار.

لكن كويفاس يرى أن «DealBaron» لا يمثل سوى «قمة جبل الجليد»، إذ يتم إبرام صفقات كثيرة عبر منتديات خاصة ورسائل مباشرة بعيداً عن الأنظار.

ويقدر أن نحو 40% من قنوات «يوتيوب» المعروضة للبيع على منصة «Fameswap»، وهي سوق إلكترونية أخرى، سبق أن تغيرت هويتها ومحتواها مرة واحدة على الأقل قبل إعادة طرحها للبيع.

ولا يقتصر الأمر على حسابات التواصل الاجتماعي. ففي منصة «Z2U»، يعرض البائعون خدمات وحسابات متنوعة، من بينها خصومات لدى «ماكدونالدز»، وحسابات تتمتع بصفة «المضيف المتميز» على «إير بي إن بي»، إضافة إلى حسابات على «أوبر» و«أمازون» و«فايفر» و«ريديت» و«لينكد إن».

كما تحظى حسابات الألعاب الإلكترونية بإقبال كبير من المشترين الراغبين في الوصول إلى مستويات متقدمة أو الحصول على معدات نادرة دون الحاجة إلى قضاء ساعات طويلة في اللعب.

ويقول لويس، وهو لاعب بريطاني، إنه اشترى 8 حسابات للألعاب منذ عام 2023، من بينها حساب في لعبة «War Thunder» مقابل 175 جنيهاً استرلينياً.

ويؤكد أنه لم يتعرض للاحتيال سوى مرة واحدة، معتبراً أن توفير مئات ساعات اللعب والحصول على عناصر محدودة الإصدار يجعل المجازفة تستحق العناء.

وتدرك شركات التكنولوجيا ازدهار تجارة الحسابات المستعملة، وتسعى للحد منها. وبحلول يوليو، لم يعد حساب «MonkeyLogic» متاحاً على «إنستغرام».

ويحذر باحثون أكاديميون من أن انتقال ملكية الحسابات قد ينعكس سلباً على تجربة المستخدمين الآخرين.

فقد خلصت دراسة نشرتها عام 2024 الباحثة ماريو بيلوري من جامعة سارلاند إلى أن هذه التجارة «تشجع إنشاء شبكات الحسابات الآلية، وجمع الحسابات لاستخدامها لاحقاً في الاحتيال للتلاعب بمعدلات التفاعل».

كما تشير أبحاث كويفاس إلى أن كثيراً من الحسابات التي يعاد توظيفها تستخدم للترويج لما وصفه بـ«المحتوى الإشكالي»، بما في ذلك الحملات السياسية والاحتيال المالي.

ويقول جينتالاس إن شركة «ميتا» شددت إجراءاتها المتعلقة بتغيير كلمات المرور وعناوين البريد الإلكتروني المرتبطة بالحسابات عند تسجيل الدخول من مواقع جديدة، ما جعل بيع الحسابات أكثر صعوبة.

أما أحمد، فأشار إلى أن تحديثاً أدخله «يوتيوب» على سياسة المحتوى العام الماضي حال دون تمكنه من تنفيذ طلبية كبيرة لأحد المشترين من كوريا.

وأضاف أن «مجرد تغيير بسيط في سياسات يوتيوب قد يسبب لك خسائر كبيرة».

من جانبها، أكدت متحدثة باسم «يوتيوب» أن المحتوى غير الأصيل أو المتكرر لم يكن مؤهلاً لتحقيق الدخل من الأساس.

ولا تقتصر عمليات الاحتيال على استخدام هذه الحسابات، بل تمتد أحياناً إلى صفقات بيعها نفسها.

فقد فوجئ صانع المحتوى كيفن سكانلان، الذي يتابع قناته على «يوتيوب» 72 ألف مشترك، بأن قناته معروضة للبيع بعدما تواصل معه بعض المشاهدين الذين ساورهم الشك.

ويقول: «أعتقد أن المحتالين عرضوا القناة مقابل بضع مئات من الدولارات فقط.

ولا أفهم السبب، خصوصاً أنها تحقق شهرياً إيرادات تفوق هذا المبلغ بمرات عدة، لذلك لم يكن الأمر منطقياً من الناحية المالية».

ويضيف: «بيع وشراء قنوات يوتيوب يشبه الغرب الأمريكي في زمن الفوضى... فلا توجد قواعد حقيقية تحكم هذه السوق».